
قبس ـ خاص ـ نواكشوط.
كانت درجات الحرارة في العاصمة الجزائرية، باردة نسبيا لمن أبصر النور في مدينة ” باسكنو” ، شرقي موريتانيا ( ولاية الحوض الشرقي )
حيث الشتاء ترف طقسي نادر المصادفة؛ إلا أن حرارة الوضع الديبلوماسي الذي انهار فجأة بين باماكو ( مالي ) وجارتها ( الجزائر)، منحت لوزير الدفاع الوطني وشؤون المتقاعدين وأبناء الشهداء الموريتاني، حنن ولد سيدي ولد حنن، قدرة على تحمل درجات حرارة الجزائر التي كانت مؤشرات سيارة استقبال الوزير تُشير إليها في مطار هواري بومدين، في الجزائر العاصمة.
فرص الأوقات الصعبة
ولد حنن، الحاصل على الباكالوريا أواخر سبعينيات القرن الماضي في الرياضيات، يحتاج اليوم إلى إتقان فصل الاحتمالات المقرر في مناهج الرياضيات في بلاده؛ الذي ربما يحتاجه أكثر من سنوات مقاعد الدرس؛ حيث أن الدافع الجيوستيراتيجي الذي قد يُحرك موريتانيا، لوساطة قد تُخمد تحمس قادة عسكريون شباب، يفتقدون للبصيرة السياسية ومأزومين داخليا ، وفي متناولهم ذخيرة أنظمة يصفها خصومها بغير الديمقراطية.
سيحتاج ولد حنن، في مهمته كل ما تعلمه حين كان يتابع دراساته الجامعية في الحقوق والعلوم الإدارية والعسكرية.
كما يُعول وزير الدفاع الموريتاني، على خبرة راكمها حين تولى في سبتمبر 2018، قيادة القوات المشتركة لدول الساحل الخمس (G5)، التي أنشأتها دول الساحل الإفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد) عام 2017، بمساهمة من فرنسا التي كانت تمتلك نفوذا ووجودا معتبرا في المنطقة، وتحول الي نوستالجيا كولنيالي عصفت به تحالفات عالم ما بعد حرب أوكرانيا؛ حيث بسطت روسيا منظماتها ذات الطابع العسكري الخدمي.
موريتانيا مستعدة..
وزير الثقافة الناطق باسم الحكومة الموريتانية الحسين ولد مدو، قال إن موريتانيا مستعدة للعب دور الوساطة لحل الأزمة بين مالي والجزائر وانعكاساتها على الوضع في المنطقة، سواء بدبلومسيتها، أو بحكم موقعها.
وأكد الناطق باسم الحكومة الموريتانية: خلال المؤتمر الصحفي المخصص للتعقيب على نتائج اجتماع مجلس الوزراء أمس الأربعاء، أن “موريتانيا تمد يدها في الدور الذي تستطيع لعبه بين الأشقاء”.
ولفت، إلى أن موريتانيا لم تتلق لحد اللحظة طلبا للوساطة في الأزمة المالية الجزائرية..
وشدد ولد مدو، على أن “الأمن اليوم لم يعد أمنا وطنيا أو قِطريا بقدر ما هو أمن إقليمي”..

موريتانيا في موقع الوساطة …
وقد استقبل الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، وزير الدفاع الوطني وشؤون المتقاعدين وأولاد الشهداء للجمهورية الإسلامية الموريتانية حننه ولد سيدي ولد حننه، الذي يقوم بزيارة عمل إلى الجزائر على رأس وفد عسكري هام.
وأفاد بيان للوزارة، بأن الطرفين تطرقا إلى التطورات الأمنية في منطقة شمال إفريقيا والقارة الإفريقية ، كما تبادلا وجهات النظر حول مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك والسبل الكفيلة بتعزيز علاقات التعاون العسكري بين البلدين الشقيقين..
تأتي التصريحات الأخيرة لموريتانيا، حسب العديد من المراقبين بشأن استعدادها للتوسط بين الجزائر ومالي، في إطار تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة مع تعقيد الأزمة الأمنية في منطقة الساحل وتأثيراتها الجيوسياسية.
وهو ما يحتم ضرورة في هذا السياق، حضور موريتانيا، كطرف فريد قد يكون الأكثر قدرة، على القيام بدور الوسيط بين الجارتين، بفضل علاقاتها المتوازنة مع كلا البلدين، وسمعتها كدولة مستقرة، بالإضافة إلى خبرتها السابقة في التعامل مع القضايا الإقليمية الحساسة، ورئاستها الأخيرة للاتحاد الأفريقي، ودورها في حفظ السلام في جمهورية إفريقيا الوسطى..
وقد أثبتت موريتانيا، كفاءتها في هذا المجال عندما لعبت دوراً محورياً في الوساطة لوقف إطلاق النار بين الحكومة المالية والحركات الأزوادية في كيدال عام 2014.
ورغم أن الظروف السياسية آنذاك كانت مختلفة، حيث كانت موريتانيا تحت حكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز، بينما كانت مالي تحت إدارة مدنية، إلا أن الدولة وأجهزتها لا تزال كما هي.
فهل تكون دبلوماسية الموريتانية اليوم اكثر قادرة على التكيف مع مختلف السيناريوهات في بيئة غير مستقرة، في مالي أو فيما يتعلق بالقضايا التي تؤثر في الملفات الإقليمية.
وضع متأزم…
تجددت الخلافات بين الجزائر ودول تجمع الساحل، وهي: ( مالي والنيجر وبوركينا فاسو،”) حيث بلغت الأزمة ذروتها بعد قرار هذه الدول سحب سفرائها من الجزائر .
وقد ردت الجزائر بإجراء مماثل، أعقبته بقرار إغلاق مجالها الجوي أمام تلك الدول.
ولم يكن هذا الخلاف هو الأول من نوعه بين : مالي والجزائر، فقد عرفت السنوات الماضية فترات توتر مستمرة، حيث تتهم مالي الجزائر بالتواصل مع مجموعات تعتبرها إرهابية على حدودها، بينما تنفي الجزائر هذه الاتهامات وتصفها بأنها “ادعاءات باطلة””.
وقد نشرت وزارة الخارجية الجزائرية في وقت سابق عن استيائها من قرار الحكومة الانتقالية في مالي بشأن سحب سفراء مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وذلك على خلفية إسقاط طائرة مسيرة مالية اخترقت مجالها الجوي.
من جانبها، نفت مالي ، مؤكدة أن الطائرة التي أُسقطت في نهاية مارس لم تتجاوز حدودها أصلا ..
روسيا مرت من هنا…
بالإضافة إلى الأسباب المحلية والعوامل الإقليمية المعقدة، والتي من الصعب تجاهل دور روسيا في تفاقمها بين الجزائر وبعض الدول الإفريقية المجاورة، وعلى رأسها مالي.
ذلك أن من يديرون السلطة في مالي الان، لم يكونوا ليقدموا على مواجهة الجزائر، لولا وجود قوة دولية تدعمها وتعدها بالحماية، وغالبًا ما تكون هذه القوة هي روسيا. حسب الكثير من المراقبين .
وفي أسوأ الأحوال، ساهمت روسيا فعلا في تفاقم الوضع، وفي أفضل الأحوال، لم تتخذ أي خطوات لمنع ذلك.
لقد كانت مالي جارة مسالمة للجزائر خلال العقود الثلاثة التي تلت استقلال البلدين (مالي في 1960 والجزائر في 1962)، حتى أصبح الرئيس موسى تراوري يحرص على التوقف في مطار الجزائر ومقابلة قادتها، حتى لو لدقائق معدودة، كجزء من تقاليد رحلاته إلى فرنسا وأوروبا، بالإضافة إلى الزيارات الرسمية..
في تسعينيات القرن الماضي، انشغل كل بلد بمشاكله الداخلية، مما أدى إلى تراجع مستوى العلاقات بينهما. ثم تحول الفتور إلى جفاء، رغم إصرار الجزائر على أن تظل وسيطًا في الأزمات الداخلية لمالي.
وآخر مظاهر هذا الفتور هو العداء الذي نشهده اليوم، حيث تُعتبر حادثة الطائرة المسيرة التي أسقطها سلاح الجو الجزائري في تينزاواتين من أعراض الأزمة وليست من أسبابها كما يعتقد البعض ..
هل من الممكن أن نرى تحسنًا في العلاقات بين البلدين؟
وحسب العديد من المراقبين يمكن أن تعود العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ومالي ذلك أن الروابط بين البلدين تتجاوز بكثير عوامل الخلاف.
فالتعاون المشترك الذي يعود إلى ما قبل الاستقلال، بالإضافة إلى الروابط الاجتماعية والدينية، يستدعي من الجانبين التعاون في العديد من القضايا الإقليمية والدولية.
من الصعب أن تسود أجواء التوتر على أجواء التفاهم، نظرًا لما يترتب على التوتر من تداعيات وآثار سلبية على البلدين والمنطقة بشكل عام.
لذا، ينبغي على البلدين البحث عن قنوات تواصل مشتركة في حال تفاقمت الأوضاع عن ما هي عليه .
فرص نواكشوط لرأب الصدع :
وفي حديثه مع قبس اعتبر المحلل السياسي والخبير في الشأن الإفريقي سليمان السيخ سيديا
” أن أي مشكل مالي جزائري هو مشكل بالنسبة لموريتانيا بالدرجة الأولى ( بامتياز ) ذلك أن الدولة الموريتانية تتمع بعلاقات ممتازة وعريقة وقديمة ، منذ ما قبل الاستعمارات مع الفضاء الساحلي والصحراوي والمتوسطي .
كما ترتبط بروابط خاصة بكل من الدولة المالية والجمهورية الجزائرية بما فيها الجغرافيا ،400 كلمتر بين موريتانيا والجزائر ،- وزهاء 2400 كلمتر.
وفي هذا الإطار فإن المنطقة الحدودية المشترك بين هذه البلدان تجعل من مشاكلها موحدة وتحدياتها شبه متقابرة إلى حد كبير .
وأضاف ، أ، الموقع السياسي والدبلوماسي لموريتانيا وعلاقاتها بدولة مالي من جهة وبالجمهورية الجزائرية الشعبية من جهة أخرى تستدعي بل تستوجب محالة رأب الصدع والوساطة بين البلدين المهيئين لقبول ما يصدر من نواكشوط في إطار هذه الوساطة ، على إعتبار أنه لم يكن بين نواكشوط وكل من باماكو ، الجزائر أية عداوة .
وأعتبر أ، هذه الفرصة ملائمة جدا لأي مساعي من نواكشوط لتقريب وجهات النظر ورأب الصدع بين البلدين .

رأي آخر …
فيما يتناول رؤوف فرّاح، الخبير الجزائري التحولات السياسية في شمال إفريقيا والساحل، على إثر حادثة إسقاط الطائرة المالية المسيرة، بحيث يؤكد أن التطورات التي أدت إلى توتر العلاقات بين باماكو والجزائر،
تشكل نقطة تحول هامة في العلاقات بين الجزائر وباماكو.
إذ لم تكن هذه الواقعة منعزلة، بل هي نتاج طويل من تدهور العلاقات بين البلدين.
في وقت تعتبر الجزائر -أن هذه الحادثة تمثل انتهاكًا لسيادتها الإقليمية، تؤكد مالي من جهة أخرى أن الطائرة كانت تحلق داخل مجالها الجوي.
وقد تلت هذه الحادثة مجموعة من الإجراءات السريعة، بما في ذلك استدعاء السفراء، وتعليق الرحلات، وإغلاق الأجواء، وهي سابقة من نوعها في إطار تور العلاقات بين البلدين .
معتبرا أن هذا التدهور في العلاقات غذاه تداخل الخلافات الاستراتيجية والتوترات الدبلوماسية وإعادة تشكيل التحالفات الجيوسياسية، بدءًا من الانقلاب العسكري الذي قاد إلى تولي المجلس العسكري السلطة في أغسطس 2020. و،انسحاب السلطات المالية من اتفاق السلام والمصالحة الذي نتج عن مسار الجزائر، والذي تم الإعلان عنه في يناير 2024، مما أنهى عقدًا من الوساطة الإقليمية
زيادة على نفوذ مجموعة “فاغنر” شبه العسكرية، التي تقاتل إلى جانب الجيش المالي في شمال البلاد. فهل تكشف نواكشوط عن بوادر خطة لتقارب وجهات النظر بين بلدين سيؤثر الخاف بينهم على مصالح نواكشوط وموقعها الإستيراتيجي في
المنطقة العربية والإفريقية .؟؟