
قبس – خاص
كتبت: د.علياء محمد الأمين تاتاه
في زمنٍ تتسارع فيه الصور وتضج فيه الشاشات بصخب “الفاشينيست”، تُختزل المرأة في زينة عابرة، ومظاهر سطحية، وأعمار قصيرة تُستهلك في إعلانات تجارية. تُملَى عليهن معايير الجمال من الخارج، وتُحدد لهن مواسم الموضة كما تُحدد مواسم الفاكهة، وتُختصر هويتهن في مساحيق زائفة .
فماذا يُرجى من أمةٍ هذه نساؤها؟! هانت الأم فيها، وضعفت القدوة، وتحوّلت المرأة من أصلٍ للحضارة وأمٍّ للمجتمع وميزانٍ للرحمة والسلام إلى مجرد واجهة استهلاكية بلا روح.
لكن المرأة في تاريخنا لم تكن هكذا أبدًا. لم تكن رقمًا عابرًا، ولا تابعًا هامشيًا. كانت اللبنة التي تأسّست عليها المعاني الكبرى: الصبر، والرحمة، والثبات، والعدل، والفكر. في أزمنة كانت تُقاس فيها القيمة بالقوة الظاهرة، كانت هي القوة الخفية التي تصوغ المصير من وراء ستار الحياء، وتغزل خيوط الغد من صبر الأمهات، وحنكة العالمات، وجرأة القائدات.
وفي ظلال هذه القامات، تتجلى الحقيقة: أن المرأة لم تكن يومًا صفحة ثانوية في كتاب الحضارة، بل كانت فصلًا رئيسًا وركنًا متينًا لا تنهض الأمم من دونه.
إنها المدرسة التي لا تنطفئ، والنبض الذي لا يخون، والبوصلة التي تشير دائمًا إلى الحياة.
وحين نعيد قراءة التاريخ بعدل ووعي، لا نبحث عن المرأة في الهوامش، بل نجدها في صميم الرواية: حيث تُصنع القيم، وتُربى الأجيال، وتُحمى الأوطان، ويُبعث النور من يدٍ تحمل العلم، ومن صدرٍ يحتضن العالم.
هذه القصص ليست مجرد صفحات من الماضي، بل هي دروس حية تؤكد أن المرأة في كل زمان ومكان هي ركيزة التقدم، ووجه الحضارة الحقيقي.
قدوات من التاريخ الإسلامي: العلم، والعمل، والتضحية
في حضن التاريخ الإسلامي، بزغت نساء استثنائيات، كنَّ شعاع نورٍ وأيقونات علم ومعرفة، وأثبتن أن المرأة ليست “ديكورًا اجتماعيًا”، بل مدرسة متكاملة في الحكمة والفهم.
• عائشة بنت أبي بكر: كانت بحق “مدينة العلم” التي احتضنت علوم الفقه والتفسير والحديث، وأضاءت بها عقول الصحابة والتابعين. لم تكن فقط زوجة النبي، بل عالمة فذة حفظت آلاف الأحاديث، وكانت مرجعًا في الفقه والتفسير. لقد كانت مستودعًا للعلم وحامية للسنة، ولعبت دورًا بارزًا في أحداث تاريخية صعبة، ما يثبت حضور المرأة في قلب صنع القرار.
• حفصة بنت عمر: ليست مجرد حافظة للقرآن، بل رائدة في حفظ الدين وصيانة كلمته. بإشرافها على الصحف الأولى التي جُمع فيها القرآن، شاركت في تأسيس دستور الأمة الإسلامية الذي ما زال مرجعية للمسلمين حتى اليوم. إن مساهمتها ليست فقط دينية بل تاريخية، إذ إن صيانة القرآن كانت ضرورة للحفاظ على وحدة الأمة وترابطها.
• خديجة بنت خويلد: سيدة الأعمال التي أسست إمبراطورية مالية، وأدارت التجارة بين المدن الكبرى بحنكة وذكاء. لم تكن مجرد داعمة للنبي صلى الله عليه وسلم عاطفيًا، بل كانت دعامة قوية ماديًا ومعنويًا، ووفاؤها كان سببًا في استقرار الدعوة الإسلامية في بداياتها. تذكرنا أن القوة الاقتصادية للمرأة هي أحد مفاتيح التغيير.
• فاطمة الزهراء: ابنة النبي ورفيقة دربه، جسدت التضحية والبطولة حين وقفت إلى جانبه في ميدان القتال. في غزوة أحد، قامت بحرق الحصير ووضع رماده على جرح والدها لإيقاف النزيف، دلالة على أن قوة المرأة لا تقل عن قوة الرجل، وأنها شريكة حقيقية في بناء التاريخ.
النساء الصحابيات في الغزوات: الطب، والسقاية، والجهاد
حين امتزج دم الفداء بالعلم والرجولة، كانت للنساء مشاركة فاعلة وجهاد لا يقل شرفًا عن مواقف الرجال. فقد كنّ جنديات في ميادين الإيمان، يطببن الجرحى، يسقين المقاتلين، ويقاتلن دفاعًا عن الحق.
• نسيبة بنت كعب (أم عمارة): رمز الشجاعة والإقدام. قاتلت ببسالة في غزوة أحد، وقفت أمام السيوف والسهام تحمي رسول الله ﷺ، وداوت الجرحى وهي تنزف. إنها برهان أن البطولة ليست حكرًا على الرجال.
• أم سليم وأم عطية وأسماء بنت عميس: كنّ طبيبات ميدانيات، يحملن القِرب، يضمدن الجراح، ويعطين الأمل في أشد ساعات القتال.
نساء غيّرن التاريخ: ريادة و جرأة وعلم
• خولة بنت ثعلبة: صوت الحق والمرأة الحازمة. حين ظلمها زوجها، رفعت صوتها ولم تسكت، فأنزل الله فيها قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة. إنها درس خالد أن المرأة ليست مكسورة، بل قادرة أن تغيّر بجرأتها مسار التشريع.
• فاطمة الفهرية: مؤسسة جامعة القرويين، أقدم جامعة في العالم. بفضل رؤيتها، صارت فاس منارة للعلم، وتخرج منها أجيال من العلماء. أي رسالة أبلغ من امرأة أسست للعلم صرحًا ما زال قائمًا بعد قرون؟
• بلقيس ملكة سبأ: رمز الحكمة السياسية. أنقذت شعبها من حرب، وحوّلت التهديد إلى فرصة سلام، وكانت مثالًا للمرأة القائدة التي تجمع بين الذكاء والعدل والرحمة.
و في الختام نحن لسنا بحاجة إلى شعارات تصادم فطرتنا، بل إلى وعيٍ يُعيد إلينا يقيننا بأننا كنساء، لم نكن يومًا ناقصات دور أو أثر
نحن في رحلة استعادة المعنى حين نعيد تعريف القوة في ضوء الحياء و الحرية في ضوء القيم ،إن إعادة الثقة تبدأ من استحضار القدوات الحقيقيات، أولئك اللواتي كتبن أسماءهن في الذاكرة بقوة الإيمان، لا بعلو الصوت. في سيرة خديجة، وعقل حفصة، وجرأة أسماء، ودمع مريم، نجد مرآة لما يمكن أن تكونه المرأة حين تنسجم مع حقيقتها، لا حين تنسلخ عنها. إن محاربة النسوية المتطرفة ليست رفضًا لقيمة المرأة، بل دفاع عن مكانتها التي كرمها الله، وارتفعت بها الحضارات حين صدقت مع ذاتها.
——
علياء محمد الأمين تاتاه
طبيبة و باحثة علمية و كاتبة أدبية