
كتب: ذ: سيد محمد محمد إطفل
في عالم الإدارة العامة، لا يكون الفساد دائمًا فعلاً فاضحًا يمكن التقاطه بالعين المجرّدة، بل قد يتسلّل في الظلّ، متشحًا بلباسٍ قانونيّ، ومتقنًا فنّ التنكّر في هيئة “الخطأ التسييري”. ذلك أن المختلس الماهر لا يمدّ يده إلى المال العام مباشرة، بل يمدّ فكره إلى مساحاتٍ رمادية بين النصّ والممارسة، ليحوّل الجريمة إلى اجتهادٍ، والاحتيال إلى سوء تقديرٍ إداري. وهكذا يتجلّى أحد أخطر وجوه الفساد: الفساد المتخفّي في اللغة البيروقراطية، الذي لا يخرق القانون صراحةً، بل يتحايل عليه بمنطق التبرير الإداري وتجميل النية.
إن الفرق الجوهري بين الخطأ التسييري والاختلاس لا يُقاس بالمخرجات المالية، بل بالمضمون الأخلاقي للفعل ذاته. فالمسير الذي يُخطئ عن جهلٍ أو سوء تدبير قد يستحق اللوم وربما المساءلة، لكنه لا يُدان بالفساد، لأن عنصر القصد الجنائي غائب عن فعله. أما المختلس، فهو الذي يصنع لنفسه مظلة من الإجراءات الشكلية ليُضفي على فعله مسحةً من الشرعية، فيحوّل المال العام إلى غنيمة شخصية، مستترًا بخطوطٍ تنظيمية مبهمة أو تعليمات غائمة، تجعل من كشف نواياه مهمة عسيرة على الرقابة. وهنا يصبح الفساد أكثر خطرًا، لأنه يتخفّى في قلب المؤسسة نفسها، ويستخدم أدواتها الشرعية لإدامة بقائه.
الاختلاس المتقن هو جريمة مزدوجة: جريمة في حق المال العام، وجريمة في حق الفهم القانوني ذاته. فهو لا يكتفي بنهب الموارد، بل ينهب اللغة التي يفترض أن تحميها. حين تتحوّل التقارير إلى واجهات، والمبررات إلى ذرائع، يصبح النص الإداري مجرّد غلافٍ لأفعالٍ تُدار خلف الأبواب المغلقة، بحسابٍ باردٍ يُغري المذنب بالتمادي. ذلك أن أخطر ما في هذا الشكل من الفساد أنه لا يُواجه بالقانون وحده، لأن المختلس هنا يحتمي بالقانون نفسه، يلتف حوله ويستظل به كما يستظل اللصّ في عباءة القاضي.
في مثل هذه السياقات، لا يكفي إصلاح النظام المالي أو الإداري دون إصلاحٍ أخلاقي يعيد الاعتبار إلى الضمير العمومي، ذلك الحسّ الذي يجعل الموظف يرى في المال العام أمانة لا فرصة، وفي المنصب تكليفًا لا امتيازًا. فالمؤسسات، مهما بلغت دقّة أنظمتها، تبقى عُرضة للانهيار إذا غابت عنها الرقابة الداخلية القائمة على القيم، لا على الخوف. هنا تتجلى الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ”الرقابة الوجدانية”، وهي تلك التي لا تُمارسها الأجهزة الرقابية فحسب، بل تمارسها الذات على نفسها، انطلاقًا من وعيٍ بأن الفساد، ولو تَخفّى، يظل خيانة للثقة العامة، وانحرافًا عن جوهر الوظيفة العمومية.
لقد آن الأوان أن ندرك أن الاختلاس في ثوب الخطأ التسييري ليس مجرد قضية مالية، بل قضية فكرية وأخلاقية تمسّ بنية الدولة ذاتها. فحين يتحوّل التسيير إلى خطابٍ يبرر، ويُستعمل القانون لتغطية الانحراف، نكون أمام أزمة ضمير وضمورٍ في الحسّ العام. والإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تشديد العقوبات، بل من إعادة بناء الثقافة المؤسسية على مبدأ الشفافية كقيمة، والنزاهة كهوية، والمساءلة كضرورة وجودية للدولة الحديثة.
إن الدولة التي تسمح بمرور الاختلاس تحت لافتة الخطأ التسييري، تفتح الباب أمام انهيارٍ بطيء لقيمها، لأن الفساد المتخفّي لا يُدرك إلا بعد أن يكون قد تغلغل في وجدان الإدارة. ومتى صار الفساد جزءًا من الأسلوب، فقد القانون سلطته، وغدت العدالة مجرّد مشهدٍ تمثيلي. لذلك فإن حماية المال العام لا تكون فقط بسنّ النصوص، بل بإحياء الضمير الذي يفرّق بين الاجتهاد والمكر، بين التسيير و الفوضى، بين الخطأ والاختلاس.
———
ذ: سيد محمد محمد إطفل / ماستر فلسفة سياسية – جامعة نواكشوط