
العدالة كشرطٍ أنطولوجيٍّ للإصلاح
بقلم: ذ. سيد محمد محمد إطفل || باحث في الفلسفة السياسية
ليس الإصلاح فعلًا إداريًا يُقاس بعدد الإعفاءات أو تبديل الأسماء في هرم السلطة، بل هو تحوّل في البنية الأخلاقية للدولة، وارتقاء في وعيها بذاتها ككيان يقوم على القانون لا على الأشخاص. فالعدالة، من حيث هي مبدأ تأسيسي، لا تُجزَّأ ولا تُؤجَّل، إذ إنها تمثل الشرط الأنطولوجي لاستمرار الدولة في معناها الأصيل، أي بوصفها تجسيدًا للعقل العمومي ولإرادة العدل الكوني.
حين تبدأ المحاسبة، تنكشف هشاشة النظام القيمي الذي ساد، لأن المساءلة لا تفضح الأفراد فحسب، بل تضع ضمير الدولة أمام مرآة ذاته. وإذا لم تشمل العدالة الجميع دون تمييز، فإنها تتحول إلى مجرد أداة لإعادة توزيع النفوذ، لا إلى مشروعٍ لإعادة بناء المعنى. فالإصلاح الذي لا يطال الجميع يُفرغ نفسه من جوهره، لأن العدالة الناقصة تكرّس الظلم في صورةٍ جديدة، وتؤسس لما يمكن تسميته بـ”الفساد المُمَنهَج”، حيث تتغيّر الوجوه وتبقى البنية على حالها.
إنّ المحاسبة الحقيقية لا تقتصر على العقوبة، بل تقوم على مبدأ التعرية الأخلاقية للمؤسسات، أي كشف ما تراكم في الوعي الإداري من تواطؤٍ بنيوي بين السلطة والمصلحة. وهذا الكشف هو أول شرط لتحوّل الإصلاح من مجرّد سياسة إلى رؤيةٍ للوجود المدني. فالدولة التي تُخضِع الجميع لميزان واحد، تُعلن أنّ القانون لم يعد خطابًا، بل نظامًا للوجود السياسي، يحيا به الكيان الجمعي ويستمد منه شرعيته.
من هنا، تصبح العدالة ليست مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة ميتافيزيقية لبقاء الدولة كفكرة. إذ لا معنى لوطنٍ يُحاسب بعضًا ويستثني بعضًا، لأن التمييز في المعيار يهدم من الداخل ما تبنيه القرارات من الخارج. فالعدالة إذا لم تُمارَس كقيمة كونية، ستُختزل إلى ممارسة شكلية، تُهدّئ الرأي العام وتُرضي اللحظة، لكنها لا تُغيّر البنية التي تنتج الفساد نفسه.
الإصلاح الحقيقي إذن ليس حدثًا سياسيًا، بل تحوّلًا في ضمير الدولة من منطق السلطة إلى منطق العدالة. وعندما تشمل المحاسبة الجميع دون تمييز، لا يكون القانون أداة حكمٍ فحسب، بل مرآةً تعكس نضج الوعي الوطني وارتقاءه إلى مستوى القيم التي تبرر وجوده.
بقلم: ذ. سيد محمد محمد إطفل / باحث في الفلسفة السياسية