
كان العربُ أُمَّةَ الفصاحة والبيان والبلاغة، وكانت لُغتُهم “العربية”، مَرْكَزَ هُويتهم، الذي منه أخذوا اسْمَهم، حيث نقلت الانتماءَ من خصوصية العِرْقِ، إلى شُمولية الثقافة؛ فتَمَاهَى المُسْتعْربُ مع العَارِبِ، وقد تعزَّزتْ مكانَتُهم هذه بنُزول القرآن بلُغَتِهم، مُعْجِزا في صميم خُصوصيتهم البيَانية، وبقدْرِ ما مَنَحَ القرآنُ للغةِ العربية، قداسَتَها الدينية، جعَلَها مُهَيَّأةً أكْثر لانْفجار نُظُمِها الداخلية، نتيجةَ تفاعُلِها مع حَواضِنِها الجغرافية، والتاريخية، وحتى الحضارية المفتوحة، إذ اتسعت عوْلَمَتُها، منذ رسَّمَها اللهُ- جَلَّ وعلا- لغةَ للرسالة الإسلامية الشاملة، ولكنَّها ظلتْ بمَنْأًى عن ذلك التغيُّرِ الجِذْري، رغم صِفَتِها الكوْنية التي مَنَحَها لها تَمَاهِيهَا بالدين الإسلامي مُحْتَوى وأداءً، فكانت تستوعبُ حضاراتِ الشعوب والأمم الداخلة في دِينِ الله أفْواجا، دون أنْ تتَفَجَّرَ من الداخل، ولا أنْ تتَصَدَّعَ -كثيرا- من الخارج، لأنَّ أغْلبَ العلماء، وحتى منْطِقُ الأشْياء، يؤكد ضمانَ الله لحِفْظِها، بمُجَرَّدِ تكَفُّلِه بحفْظِ القرآن الكريم نفسه، تبعا لعلاقة الحامل والمحمول.
ومن هنا تضافرَت جميعُ علومِ اللغة العربية، الناشئةِ في حِضْنِ الإسلام، من أجْل تحْصين هذه اللغة “المقدَّسة”، من سطْوة الروافد والمُؤثَّرات اللغوية والتاريخية والحضارية العاتية، التي بدأتْ تتفاعلُ معَها منْذُ نزلَ الإسلامُ بها للناس كافة؛ وهكذا نالَ الاشتغالُ بهذه العلوم “الخادِمَةِ” نصيبَه من القدسية والتعَبُّدِ، التي يتمتَّعُ بها القرآن “مَخْدُومُها” تطبيقا لقاعدة: “أنَّ مالا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب”.
وفي هذا الإطار يندرجُ، تشْنِيعُ اللَّحْنِ، الذي دأبَ عليْه السَّلَفُ الصَّالحُ، منذ ظُهورِ التَّصَدُّعاتِ الأولى في جِدَارِ مَناعَةِ السَّلِيقةِ العربية، أمامَ هزَّاتِ العُجْمَةِ الزاحِفة،
فـ “قد حثَّ، صلى الله عليه وسلم، وذوُو العِلْمِ من بعْده على إصْلاحِ الألْسِنَة وتعلُّم اللغة، وحُسْنِ العِبَارة”، وقد روَى عنْه عُمَرُ قولَه : “رَحِمَ اللهُ امْرَأً أصْلَحَ منْ لِسانِه”. و”كان عُمَرُ إذا سمِعَ رجلاً يُخْطِئ قبَّحَ عليْه، وإذا أصابَه يَلْحَنُ ضَرَبَه بالدِّرَّة”، وحين وصلَه كتابٌ فيه لحْنٌ من أبي موسى الأشعري، ردَّ عليه: “اضربِ الكاتبَ سوْطاً، واعْزِلْه عن عمَلِكَ”، وكان ابنه عبد الله “يضربُ ولَدَه على اللحْن”. كما “كانَ مؤدِّبُو المدينة يضربونَ على الخَطأ واحدة، وعلى اللحْن ستاً”؛ باعْتبار اللحْن أفْظعَ من الخَطأ، وأجْدَرَ بالعِقابِ، فأبو بكر الصديق يقول: “لأنْ أخْطِئَ في القرآن أحبُّ إليّ من أنْ ألْحَنَ فِيه”، وعلى هذا المَنْحَى دَرَجَ الحَسَنُ البصري، حين قالَ: “منْ لَحَنَ في القرآن فقد كذبَ على اللهِ غَيْرَ مُتَعَمِّد”. بل قد يكونُ اللحْنُ مَزَلَّةً إلى الكُفْرِ؛ وَلهذا “كان سابقُ الأعْمى يقرأ: {الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} بفتح الواو، وكان ابنُ جَابانَ يقول له إذا لَقِيه: ما فَعَلَ الحرْف الذي تكفرُ بالله فيه؟”، ومن هنَا لا نَعْجَبُ من أيوب السختياني، الذي كانَ إذا لَحَنَ أستغفرَ الله، وحتَّى لو لم يصل اللحْنَ إلَى حَدِّ الجُرْم المُسْتحقّ للعُقوبة، ولا الكُفْرِ، أو الذنْب الجدير بالتوْبة والاستغفار، فإنَّه يبْقى ضلالا وغيا، يستحقُّ فاعِلُه الإرْشادَ على الأقل، فحين لحَنَ رجُلٌ عنْدَ نبينا -عليه السلام- قال: “أرْشدُوا أخاكم”، وقد رآه خليفتُه الصدِّيقُ عوْرَةً يجبُ ستْرُها، حينَ قال لمن كلَّمه، فأكْثرَ اللحَّنَ: ” اسْترْ عوْرَتك وسَلْ حاجتك. فبادَرَ الرجُلُ ثوْبَه. فقالَ له عمر: إنما أمَرَكَ بإصْلاح لِسَانِك”، وعُمَرُ نفسُه يَراهُ أسْوأ من الخَطأ في إصابةِ الهَدَفِ في الرماية، حين عابَ على قوْم “سُوءَ رمْيِهم. فقالوا: نحْنُ قوْمٌ مُتَعَلِّمينَ. فقال: لَلَحْنُكمْ أشدَّ علي من سُوءِ رمْيِكمْ”
وهكذا كان يونس بن حبيب لا يَرَى “للَّاحنِ مرُوءة، ولا لتاركِ الإعْراب بهاء”، مهما طاول عنان السماء، وكان عبد الملك بن مروان يعتبرُ: “اللحْن هُجْنة الشريف”، ويراهُ “في الكلام أقْبَحَ من العُوار في الثوْب النفيس”، كما يعتبرُ الشعْبي -أيْضا- أنَّ: اللحْنَ في الشريفِ كالجُدرِيّ في الوجْه الحَسَن”.
وفي الخِتام قيل للحسن البصري: “إن [إمَامَنا] يَلحْن، فقال: نَحُّوه.
فبالله ربِّكم.. كمْ إمامًا -بالمَفْهومِ الشامل- يجبُ اليوْم أنْ ننحِّيَه؟!
ادي ولد آدب: تأويل رؤياي، ص: 298