
خاص – قبس
ليست الأزمات التي تضرب الدول حدثًا مفاجئًا أو قدرًا عابرًا، بل هي في الغالب النتيجة المنطقية لمسار طويل من الاختيارات الخاطئة. فعندما تُسنَد المسؤوليات العامة على أساس العلاقات والمصالح الشخصية، لا على أساس الكفاءة والاستحقاق، تبدأ الدولة في فقدان مناعتها الداخلية. قد يبدو المشهد مستقرًا في الظاهر، لكن الاستقرار هنا يكون هشًّا، قائمًا على المجاملة لا على الجدارة، وعلى الولاء لا على القدرة.
وعند الأزمة، لا يعود السؤال عن الموارد ولا عن النوايا، بل عن من يُدير ومن يقرر. هنا تحديدًا تسقط الدول التي بنت إدارتها على العلاقة لا على الكفاءة، وتهتز أمام أبسط التحديات، وتدخل في نزيف مستمر للثقة والموارد. فالأزمات لا تُسقط الدول القوية، لكنها تُسقط تلك التي أضعفت نفسها بنفسها، حين جعلت المسؤولية امتيازًا لا أمانة، والسلطة غنيمة لا خدمة.
وليس جوهر الاختلال-في الدول الفاشلة- في شح الموارد أو الضغط السياق الدولي، بل في الفلسفة الضمنية التي تحكم إسناد المسؤولية العامة. فحين يتحول المنصب إلى مكافأة سياسية، وتختزل الشرعية في الولاء، ويعاد تعريف الكفاءة بوصفها العضوية في الأوليغارشية، تفقد الدولة قدرتها على إنتاج القرار العقلاني و تصبح المؤسسات واجهات شكلية تؤدي وظائفها بالحد الأدنى في الظروف العادية، لكنها تعجز عن أداء دورها السيادي عند لحظة الاختبار.
تُقدم التجربة الفنزويلية “الدراماتيكية” – البعيدة سياقا وثقافة وجغرافا- مثلا على هذا النمط من الهشاشة المركبة؛ فقد راكمت ثروة طبيعية هائلة، لكنها أعادت تشكيل مؤسساتها وفق اعتبارات سياسية ضيقة، فكانت الأزمة التي واجهتها أعمق من أن تكون اقتصادية، إذ طالت معنى الدولة ذاته. ولم يكن الانهيار حدثا مفاجئا، بل نتيجة تلقائية لمسار طويل من إقصاء العقل التقني وتهميش المنطق المؤسسي، إلى أن فقدت الدولة أدوات الفعل والتحكم.
وفي تجربة دولة مشرقية شقيقة(مكلومة)، يتجسد نموذج الدولة التي أُفرغت من مضمونها لصالح توازنات ما قبل الدولة. فالمحاصصة، بوصفها آلية حكم، عطلت منطق المسؤولية وألغت مبدأ المحاسبة، وراكمت خللا صامتا اختبأ لردح طويل خلف وهم الاستقرار. وعندما انهار النظام المالي، لم يكن ذلك سقوط قطاع بعينه، بل انهيارا متزامنا لفكرة الدولة نفسها، لأن المؤسسات لم تُبنَ على استقلال وظيفي ولا على كفاءة حقيقية.
وفي تجربة دولة إفريقية شقيقة (مقطعة الأوصال)، تبرز هشاشة الدولة حين سيست أدوات القوة العمومية وفرغت المؤسسات الأمنية والعسكرية من طابعها المهني. فالدولة التي تفقد احتكارها العقلاني للقوة تفقد، بالضرورة، قدرتها على إدارة الخلاف وضبط الصراع. وعندما انفجرت الأزمة، لم تجد جهازا مؤسسيا قادرا على الاحتواء أو الوساطة، فتحول التوتر السياسي إلى تفكك شامل، لأن الخلل سبق لحظة الانفجار.
ما يجمع هذه التجارب، رغم اختلاف السياقات، هو “براديغم” سياسي واحد: الدولة لا تسقط عند وقوع الأزمة، بل تسقط يوم يستبدل الاستحقاق بالولاء، والعقل المؤسسي بالحسابات الضيقة. فالأزمات لا تنتج الفشل، لكنها تكشفه.
وفي مثل هذا السياق، لا تُدار المؤسسات بعقل الدولة، بل بمنطق الشبكات الضيقة. تُملأ المناصب الحساسة بسير ذاتية مصقولة بالكلمات لا بالخبرة، وتُبرَّر القرارات الكبرى باعتبارات سياسية أو عائلية، بينما يُقصى أهل الكفاءة بهدوء. وهكذا تتراكم الأخطاء، لا لأنها غير مرئية، بل لأنها محمية، إلى أن تأتي الأزمة — اقتصادية كانت أو أمنية أو اجتماعية — فتفضح الفراغ، وتكشف أن من يجلس في موقع القرار لا يملك أدوات الفهم ولا مهارات التدبير.
ومن هنا، فإن بناء دولة قابلة للبقاء لا يبدأ بإدارة الأزمات، بل بتأسيس معنى المنصب العام بوصفه وظيفة عقلانية وأمانة ثقيلة، لا امتيازًا عابرًا في لعبة السلطة.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
————
محمد الأمين مبارك: باحث دكتوراه في القانون العام و العلوم السياسية – جامعة نواكشوط