
كتب عبد الرحمن هاشم
مع الأسف الشديد إعتماد موريتانيا الكلي في الماء والكهرباء على نهر السنغال يجعلها أمام مشاكل وجودية حقيقية وذلك لمجموعة الأسباب التي أصبحت -مع الأسف -حقيقة يجب التعامل معها.
خنق إطلالة موريتانيا على النهر بسدود خارج مجالها مع حفر قنوات عملاقة من طرف الدول المطلة عليه، مع تجميد دولة المنبع غينيا كوناكري لعضويتها ينذر بتكرار المثال الاثيوبي إذ حتما ستفكر غينيا بتشييد سد عملاق يعوض سنوات التهميش من طرف منظمة إستثمار نهر السنغال، كذلك يأتي في فترة تعرف كل هذه البلدان نهضة إقتصادية تتطلب المزيد من الطاقة والمياه.
كذلك التحدي الجديد هو دخول الصراع الروسي الغربي إلى أفريقيا عبر أنظمة عسكرية شابة تنظر إلى أي بلد حليف للغرب نظرة عداء، كذلك هذه الأنظمة متعجرفة يمكنها أن تقدم على أي خطوة في حيزها الجغرافي دون النظر إلى المصالح المشتركة مع دول الجوار، مع محاولات روسيا ضم دول جديدة في غرب أفريقيا عبر انقلابات وممارسة الضغط على موريتانيا بها ولعل النهر هو نقطة ضعف موريتانيا والسنغال لذلك وجب الحذر والتنسيق مع السنغال في هذه النقطة.
كثيرا ما كتبنا عن الأمن المائي وفرص بلادنا المهدورة لكن لم نرى أي تجاوب يتجلى في وضع إستراتيجية وطنية واضحة الأسس والمعالم، ولعل مقدمة الكارثة هي موجة العطش والانقطاعات المتكررة التي تعيشها عاصمة البلاد هذه الأيام، كل هذه المحن يجب أن تنتج نخبة شبابية وطنية تنظر إلى الأمام وليس تحت أقدامها، أن المشروع اللحظة الذي يحل المشاكل بشكل مؤقت هو الكارثة التي تعصف بنا، هل نخبنا تقرأ؟ وتسافر من أجل التعرف على تجارب الآخرين?!

الآن يجب على موريتانيا أن تقف أمام سؤال كبير ووارد مع الأسف، ماذا إذا قامت غينيا كوناكري بتشييد سد عملاق وقامت بحل الأزمة مع مالي والسنغال التي تربطها بها حدود وأنهر وروافد؟
أعتقد لا سياسي موريتاني يملك جواباً لأنه ببساطة لم يطرح هذا السيناريو على نفسه، لأن معظم نخبنا السياسية لا تعرف بأن السياسة تقوم على مبدأ سوء الظن كما يقول عبد الله النفيسي … التساؤلات الكبرى اليوم تحتم علينا اختيار نوعية المسؤولين والقادة في كل المجالات …
ربما دفعني تجوالي وسنوات من العمل على الضفة إلى تصور ذلك السيناريو والبحث عن رد يكفل لنا حفظ الممكن.
قبل وقوع هذا السيناريو يجب أن نقوم بالخطوات التالية بشكل عاجل ومع إصرار وطني، هي:
1 – حفر قناة من بوكي حتى اكرارت ألاك مع تعميقها وتطويرها كي نخلق مساحات زراعية جديدة ونغذي بحيرات ألاك.
2 – حفر قناة من رافد كوركل و ذلك من أجل حفظ المياه الزائدة عن حاجة سد فم لكليته و عدم ضياعها في النهر ثم ان هذه القناة ستضمن استفادتنا من إرتفاع مياه النهر و حماية مدينة كيهيدي ، هذه القناة ضرورية جدا و يمكن أن تجعل من مثلث الأمل قطبا تنمويا .
3 – العمل مع دولة مالي على تعميق رافد كركور الذي يغذي بحيرة كنكوصة وذلك من أجل زيادة المساحة الصالحة للزراعة وجلب مورد مائي مهم.
4 – بناء ثلاث محطات تحلية مياه البحر عملاقة و بمعايير عالمية، الأولى بين نواذيبو و نواكشوط و الثانية بين نواكشوط و تكنت و الثالثة بين تكنت و انجاكو ، هذه المحطات يجب أن تسهم في تحويل المساحات الصحراوية إلى مزارع و تكون كذلك جزء من الاحتياط الاستراتيجي.

5 – يجب أن نقوم بعملية إحصاء شاملة ودقيقة لكل الأودية الموريتانية التي تصب في النهر، وذلك من أجل تحويلها إلى سدود عندما يصبح الخطر واقعا لأنها تزيد عن حاجياتنا المائية، نحن لسنا بلدا فقيرا بالمياه بل فقير بالإرادة والبناء.
6 – إطلاق مشروع وطني ثوري يتلخص في التحكم عبر سدود عملاقة وأحواض مائية عملاقة وقنوات في كل مناطق الوطن ويضمن التحكم في المياه الموسمية المهدورة.
7 – جلب تكنولوجيا استمطار صناعي والصين نموذج يستحق المتابعة والشريك الاستراتيجي المهم، لأن هذا النوع من التكنولوجيا ضروري في عالم يستهلك الماء بشراهة.
8 – حفر وتعميق كل الروافد والاستفادة القصوى من مياه النهر دون الحاجة إلى استشارة أحد لأن الجميع يحفر القنوات دون هوادة.
9- تطوير الهندسة العسكرية عبر إرسال بعثات دراسية في الهندسة المدنية نحو الصين وكوريا وألمانيا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية واليابان، وجلب المعدات الثقيلة المتطورة لتصبح رافعة تنموية جبارة تسهم في تشييد المشاريع القومية العملاقة وحفر الأنفاق في الجبال للجيش الوطني الذي تحيط به دول تتفوق عليه جويا عبر أسراب من المقاتلات الحربية المتطورة وأقمار صناعية دقيقة.
أن الاعتماد الكلي على النهر بشكل كامل خطأ استراتيجي يتجاوز إلى الخطر الوجودي لنا كبلد، مرة أخرى يجب ابعاد المحاصصة والقبيلة عن العملية التنموية، ثم جمع النخب الوطنية المهاجرة والمحلية في هيئة تقوم بوضع الخطط والبرامج ورسم الاستراتيجيات الوطنية بشكل حر يسهم في تثقيف السياسيين الذين مع الأسف الشديد ثبت بأنهم لا يمتلكون رؤية واضحة ولا مشروع وطني عظيم.
على النخب أن تسمو بطرحها وتجيب على التساؤلات الكبرى دون مجاملة أو خوف، وعلى السياسيين أن يجلسوا في مجالس التحليل والفكر والسياسة الواعية لتثقيف أنفسهم وترك البادية والإبل والمقاولة ومجالس الترف.