السبت18أبريل2026 - يومًا سعيدًا!
موقع قبس الإخباري
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • حوارات
  • فيديوهات
موقع قبس الإخباري
  • رأي
  • مؤسسة قبس ETS GHABESS
  • اتصل بنا

إصلاح التعليم العالي في موريتانيا: أي طريق نسلك؟(رأي حر)

كتبه Mohamed يونيو 24, 2025
يونيو 24, 2025
A+A-
Reset
391
المثنى الداه عبدالل – باحث

كتب المثنى الداه عبدالل

في مجتمعات اليوم، لم يعد يُقاس التقدّم بحجم الثروات الطبيعية، ولا بطول الطرقات أو ارتفاع الأبراج، بل بعمق الفكر ونوعية المعرفة. فالجامعة، في أي دولة، ليست مجرد مؤسسة أكاديمية؛ إنها المعمل الذي يُصنع فيه وعي المواطن، وتُبلور فيه هوية الوطن، وتُسكب فيه ملامح المستقبل.

ومع تسارع التحولات العالمية، لم يعد إصلاح التعليم العالي ترفًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة وجودية تُراهن عليها الأمم للبقاء والتفوق. ذلك أن الجامعة لا تُنجب موظفًا فقط، بل تُنجب باحثًا، ومفكرًا، ومبتكرًا، وصانع قرار.

غير أن التجربة الموريتانية، منذ الاستقلال، ظلّت تتأرجح بين الطموح المشروع لبناء نظام جامعي عصري، وبين قيود الواقع: قلة الموارد، غياب الرؤية، وتراكم السياسات الترقيعية. وهنا تبرز الإشكالية: هل نعاني من أزمة تمويل؟ أم من أزمة تخطيط؟ أم من غياب رؤية وطنية شاملة للتعليم العالي بوصفه قاطرة للتنمية لا تابعًا لها؟

من هذا المنطلق، يصبح الحديث عن إصلاح التعليم العالي في موريتانيا، ليس مجرد سجال تقني أو تنظير نخبوي، بل قضية وطنية بامتياز، تتصل بمستقبل الدولة وأفق الأجيال القادمة.

فما هي أبرز التحديات البنيوية التي تواجه هذا القطاع؟ وما السبيل نحو نموذج جامعي يعانق معايير الجودة، ويرتبط بحاجات التنمية، ويتفاعل مع رهانات العصر؟

يعاني التعليم العالي الموريتاني من اختلالات عديدة يمكن إجمالها في ثلاثة مستويات:

  1. مؤسساتيًا:

حتى العام 2024، بلغ عدد مؤسسات التعليم العالي العمومي في موريتانيا 13 مؤسسة، منها جامعتان رئيسيتان هما: جامعة نواكشوط العصرية وجامعة العلوم الإسلامية بلعيون، إلى جانب مدارس ومعاهد عليا متخصصة.

ومع ذلك، فإن أكثر من 85% من الطلاب يتمركزون في نواكشوط، مما يؤدي إلى اكتظاظ بعض الشعب، حيث يبلغ عدد الطلاب في كلية الآداب والعلوم الإنسانية وحدها أكثر من 12,000 طالب، بمعدل تأطير لا يتجاوز أستاذًا واحدًا لكل 110 طلاب في بعض التخصصات.

  1. بيداغوجيًا:

بحسب تقرير وزارة التعليم العالي لسنة 2023، فإن نسبة المؤسسات التي تطبق نظام LMD بصورة كاملة لا تتجاوز 40%، ومعظمها تعاني من ضعف في التكوين العملي، حيث أن أقل من 20% من البرامج تتضمن تدريبات ميدانية أو تطبيقية.

كما أن معدل النجاح في الإجازة لا يتجاوز 30% في بعض الشعب، ما يعكس فجوة كبيرة بين البرنامج النظري وكفاءة المتعلمين.

  1. موارد بشرية وتمويل:

يبلغ عدد الأساتذة الدائمين في التعليم العالي الموريتاني قرابة 1,000 أستاذ فقط، غالبيتهم متركزين في العاصمة، مقابل ما يزيد على 50,000 طالب (2024)، أي بمعدل أستاذ لكل 50 طالبًا كمتوسط، وهو ضعف المتوسط العالمي (الموصى به بين 15-25 طالبًا للأستاذ الواحد).
تشير بيانات 2023 إلى أن 92% من مؤسسات التعليم العالي تقع في العاصمة، بينما لا تضم ولايات مثل الحوض الغربي أو لبراكنه أي منشأة جامعية متخصصة، ما يفاقم هجرة الأدمغة الداخلية.

بين الكمّ والنوع: معادلة مختلّة

منذ بداية الألفية، شهدت موريتانيا توسعًا كبيرًا في مؤسسات التعليم العالي، سواء العمومية منها أو الخاصة. ورغم أن هذا التوسع يلبّي بعض الطلب الاجتماعي، إلا أنه تمّ غالبًا دون تأمين الحد الأدنى من الضمانات البيداغوجية واللوجستية.

فكم من مؤسسة تفتح أبوابها دون مكتبة جامعية فعلية؟
وكم من برنامج دراسي لا يخضع لتقييم دوري؟
وكم من هيئة تدريسية تفتقر إلى التكوين المستمر والدعم البحثي؟

إن الكثرة وحدها لا تصنع الجودة. بل قد تتحول إلى عبء إذا لم تُرافقها رؤية واضحة واستثمار حقيقي في المحتوى والتضمين.

معضلة الرؤية قبل الإمكانيات

كثيرًا ما يُعلَّقُ ضعف التعليم العالي على شماعة الموارد، في حين أن الأزمات الكبرى تبدأ عادة من غياب الرؤية. فبأي بوصلة نوجّه جامعتنا؟ هل بوصفها مرفقًا عامًا لتقليص البطالة؟ أم باعتبارها مصنعًا للمعرفة، ومخزونًا استراتيجيًا لسيادة الدولة؟
في غياب استراتيجية وطنية للتعليم العالي، تصبح المشاريع مجزّأة، والسياسات موسمية، والمبادرات رهينة الظروف لا محكومة بمنطق التخطيط طويل المدى. وهذا ما يفسر – جزئيًا – لماذا تتكرر نفس الاختلالات رغم مرور عقود من التجريب.

من الإصلاح إلى إعادة التأسيس :

رغم هذه المبادرات، لم يُسجل سوى 7 اتفاقيات فعالة مع جامعات أجنبية بين 2019 و2023، وغالبًا ما تقتصر على تبادل زيارات أو شراكات شكلية دون تأثير مباشر على المناهج أو تمويل البحوث.
لقد قامت الوزارة الوصية بعدة محاولات إصلاحية، من أبرزها:
مراجعة الخارطة الجامعية.
دعم التكوين المهني الموازي.
استحداث وحدات جديدة للبحث والتكوين.

توقيع اتفاقيات شراكة مع جامعات أجنبية.
لكنّ هذه الإجراءات بقيت مجزّأة وغير مندمجة في إطار استراتيجي شامل، يربط بين:

حاجة الدولة إلى الكفاءات.
حاجة الاقتصاد الوطني إلى تخصصات دقيقة.
وحاجة المواطن إلى تعليم ذي جودة، يضمن له أفقًا مهنيًا محترمًا.

فالإصلاح لا يمكن أن يكون ناجحًا إلا إذا انطلق من تدبير توقعي (Gestion Prévisionnelle) للموارد البشرية والعلمية، وتم ربطه بمنظومة وطنية لضمان الجودة، تقيس نجاعة التكوين من حيث مخرجاته، لا من حيث نواياه.

أي تعليم لأي مجتمع؟

يجب أن نطرح السؤال الجوهري: ما هو النموذج الجامعي الذي نريده؟

هل نريد جامعة تُخرّج الإداريين فقط؟

أم جامعة تُنتج الأفكار وتبتكر الحلول وتخترق الأسواق المعرفية؟

هنا يتوجب التحول من نموذج “المرفق التعليمي” إلى “الجامعة المنتِجة”، ومن منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج المعرفي، ومن انتظار التوظيف إلى خلق فرص التشغيل.

ويستلزم هذا التحول:
استقلالية حقيقية للجامعات في التسيير المالي والبيداغوجي.

تمويلًا مشروطًا بمؤشرات الأداء.

تحفيزًا للبحث العلمي عبر جوائز وتعاقدات مع القطاع الخاص.
دمجًا للتكنولوجيا في كل مفاصل التكوين والتقييم.

العدالة المجالية في التكوين:

تشير بيانات 2023 إلى أن 92% من مؤسسات التعليم العالي تقع في العاصمة، بينما لا تضم ولايات مثل الحوض الغربي أو لبراكنه أي منشأة جامعية متخصصة، ما يفاقم هجرة الأدمغة الداخلية.
أما عدد البحوث المنشورة سنويًا من قبل أساتذة الجامعات الموريتانية في مجلات دولية مفهرسة، فلا يتجاوز 80 بحثًا سنويًا (بحسب بيانات 2021)، مقارنة بـ 1200 بحث في جامعات السنغال المجاورة.

نحو تعليم جامعي موريتاني بمعايير عالمية:

بحسب استطلاع وطني أجري سنة 2022، فإن 68% من الطلاب الجامعيين غير راضين عن ظروف الإقامة والتغذية والنقل الجامعي، بينما صرح 76% من الأساتذة بعدم توفر الحد الأدنى من الإمكانات البحثية كالمجلات المحكمة، قواعد البيانات الدولية، أو حتى المكتبات الرقمية.

الطريق نحو إصلاح التعليم العالي يبدأ من الاعتراف بأن أزمتنا معرفية قبل أن تكون بنيوية، وأن دور الجامعة يجب أن يتجاوز التلقين، إلى إنتاج القيم والنماذج، وصناعة النخبة القادرة على فهم العصر وصياغة أسئلته.

ولتحقيق ذلك، لا بد من:

تقييم حقيقي للبرامج.
تطوير حياة الطالب داخل الجامعة (من حيث السكن، النقل، التغذية).
تمكين الأساتذة من أدوات البحث والنشر.

بناء شبكة تعاون دولي فاعلة لا تقتصر على الشكل، بل تثمر في المناهج والتخصصات والفرص.

وإلى أن تتحقق هذه الشروط، سيبقى التعليم العالي الموريتاني حبيس مفارقة: طلب اجتماعي مرتفع، مقابل عرض أكاديمي ضعيف.

فالعقل هو أساس التنمية، والجامعة هي مصنع العقول.
ومن لا يزرع في الجامعة، لا يحصد في الدولة.

إنّ إصلاح التعليم العالي ليس ملفًا تقنيًا فحسب، بل هو قضية سيادية تتصل بكرامة المواطن، واستقلال القرار، وحقّ الأجيال في مستقبل مختلف.

وما لم ينتقل الخطاب الرسمي من منطق “الإصلاحات الموسمية” إلى منطق التحول العميق والبنيوي، فستبقى الجامعة الموريتانية سجينة أروقة البيروقراطية، ومأسورة في دوّامة التقليد.

فكما لا يُبنى بيتٌ بلا أساس، لا تُبنى دولة بلا جامعة، ولا جامعة بلا رؤية، ولا رؤية بلا إرادة.

المثنى الداه عبدالل – باحث

شاركها 0 FacebookTwitterWhatsapp

قبس على فيسبوك

Loading...

اختيارات المحرر

  • موريتانيا تجري مباحثات مع إسبانيا حول تعزيز وتطوير علاقات التعاون القائمة
  • توجنين .. اجتماع للتحسيس بترشيد الطاقة وسط تأكيد رسمي على وفرة المواد
  • الانقلاب كآلية لإعادة إنتاج السلطة: دراسة سوسيولوجية مقارنة بين موريتانيا ودولة المماليك (رأي حر)
  • موريتانيا تجري مباحثات مع المنظمة الدولية للهجرة
  • السلطات الإدارية تتابع تنفيذ خطة لمتابعة ضبط الأسعار ومكافحة الاحتكار

اخترنا لكم

  • موريتانيا تجري مباحثات مع إسبانيا حول تعزيز وتطوير علاقات التعاون القائمة
  • توجنين .. اجتماع للتحسيس بترشيد الطاقة وسط تأكيد رسمي على وفرة المواد
  • الانقلاب كآلية لإعادة إنتاج السلطة: دراسة سوسيولوجية مقارنة بين موريتانيا ودولة المماليك (رأي حر)
  • موريتانيا تجري مباحثات مع المنظمة الدولية للهجرة
  • السلطات الإدارية تتابع تنفيذ خطة لمتابعة ضبط الأسعار ومكافحة الاحتكار

المقالات الشهيرة

  • 1

    سيد أحمد ولد أج رئيس القبيلة والموريتاني الأول.....

    فبراير 24, 2025 3.7K مشاهدات
  • 2

    تأملات في الشعر الحساني … (2) / سيد...

    مارس 31, 2024 2.6K مشاهدات
  • 3

    الأمير سيد أحمد ولد أحمد ولد عيده …\...

    مارس 31, 2024 1.8K مشاهدات
  • 4

    القاضي/ الشيخ ول اجيد ول الشيخ …النبوغ الذي...

    أبريل 2, 2025 1.7K مشاهدات
  • 5

    محمد سفير فوق الحلم وكامل المعرفة..(رأي حر)

    يناير 25, 2025 1.7K مشاهدات

قبس

قبس

مؤسسة قبس للإنتاج السمعي البصري ، مؤسسة إعلامية خاصة ، مقرها نواكشوط - موريتانيا. تشارك في المقاولات الإعلامية + وصناعة الإشهار ، تمتلك قبس طاقما مهنيا ومتميزا . وتبرز "قبس "من خلال موقعها الإلكتروني ومنصاتها على كافة شبكات التواصل الإجتماعي لجمهورها كفاعل إعلامي في تسهيل ولوجه للمعلومة والخبر من خلال خط تحريري يستهدف الدقة والمهنية. هاتف و واتساب: 36103113

التصنيفات

  • اقتصاد (495)
  • الأخبار (5٬325)
  • الأدب الحساني (31)
  • تدوينات (75)
  • تقارير وتحقيقات (55)
  • ثقافة وفن (428)
  • حوارات (10)
  • رأي (109)
  • رياضة (248)
  • صحة (124)
  • فيديوهات (30)
  • مجتمع (225)
  • منوعات (105)
  • Facebook
  • Twitter
  • Linkedin
  • Youtube
  • Whatsapp
  • Tiktok

© 2023 - جميع الحقوق محفوظة. تصميم وتطوير MAURI-TECH SOLUTIONS.

موقع قبس الإخباري
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • حوارات
  • فيديوهات
موقع قبس الإخباري
  • رأي
  • مؤسسة قبس ETS GHABESS
  • اتصل بنا

مقالات ذات صلةx

“الألكسو” تختار الدكتور محمد المختار ولد...

مارس 9, 2024

دراسة حديثة :العالم يتجه إلى تراجع...

مارس 25, 2024

بيان شكر من أسرة أهل أج...

مارس 9, 2024