
كتب ذ .محمد الأمين الخليفه
يأتي هذا المقال في سياق الجدل المتزايد حول قضايا النسوية في موريتانيا، حيث برزت مؤخراً دعوات تدعو إلى إلغاء النظام الأبوي باعتباره السبب الجذري للتمييز ضد المرأة. هذا النقاش أثار ردود فعل متباينة بين مؤيدين يرون في هذا الطرح خطوة ضرورية لتحقيق المساواة، ومعارضين يعتبرون أن إلغاء النظام الأبوي طرح اختزالي لا يعكس التعقيدات الاجتماعية والثقافية لموريتانيا. لذا، من الضروري تحليل هذا الموضوع بعمق، مع مراعاة الإحصاءات والاتجاهات المختلفة داخل الحركة النسوية.
النظام الأبوي هو نظام اجتماعي يمنح الرجال سلطة أكبر من النساء في مختلف مجالات الحياة، مثل الأسرة والسياسة والاقتصاد. لكنه ليس ثابتًا، بل يتغير تبعًا للسياقات الثقافية والتاريخية لكل مجتمع. في موريتانيا، يُنظر إلى المجتمع غالبًا على أنه أبوي، لكن هذا التوصيف يحتاج إلى تدقيق. فبينما توجد مظاهر لعدم المساواة بين الجنسين، هناك أيضًا توازنات اجتماعية تمنح النساء نفوذًا في مجالات معينة، مثل التجارة وريادة الأعمال.
تشير الإحصاءات إلى أن نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل تبلغ 27.4% مقارنة بـ 69% للرجال، مما يعكس فجوة واضحة في الفرص الاقتصادية. كما تُظهر البيانات أن 89.61% من النساء يعملن في القطاع غير الرسمي، مما يعني ضعف الحماية القانونية والوظيفية لعملهن¹. في البرلمان الموريتاني، تشغل النساء 23.3% من المقاعد، وهي نسبة تُظهر تقدمًا مقارنة بالسنوات الماضية لكنها لا تزال بعيدة عن التمثيل المتساوي². أما في الوظيفة العمومية، فتمثل النساء 29.84% من الموظفين، مما يشير إلى حضور نسائي مهم ولكنه غير كافٍ في المناصب العليا. لا توجد بيانات دقيقة حول الفجوة في الأجور بين الجنسين، لكن انتشار عمل النساء في القطاع غير الرسمي يشير إلى أنهن غالبًا ما يتقاضين أجورًا أقل من الرجال³. أما في التعليم، فتُظهر الإحصاءات أن الفتيات يمثلن 50.6% من طلاب التعليم الأساسي، لكن في التعليم العالي تنخفض نسبة التحاقهن إلى 18% فقط، مما يشير إلى تحديات مستمرة في استكمال التعليم الجامعي. ⁴
المطالبة بإلغاء النظام الأبوي تطرح إشكالية البديل: هل المطلوب تفكيك جميع الأدوار الاجتماعية التقليدية وإعادة تشكيل المجتمع وفق نموذج غربي لم يحقق المساواة الكاملة حتى الآن؟ أم أن الحل يكمن في معالجة أوجه التمييز ضمن السياق المحلي؟ وفقًا للفيلسوفة النسوية نانسي فريزر، فإن النسوية الفعالة يجب أن تراعي السياقات المحلية بدلًا من فرض نماذج جاهزة لا تأخذ بعين الاعتبار البنى الاجتماعية والاقتصادية القائمة.
بدلًا من الانشغال بمعركة نظرية حول إلغاء النظام الأبوي، يمكن التركيز على إصلاح القوانين لضمان حقوق المرأة في الطلاق، الإرث، وحماية حقوقها في سوق العمل. كما يمكن تعزيز التمكين الاقتصادي عبر دعم دخول النساء إلى الوظائف الرسمية وتوفير الحماية الاجتماعية لهن. تحسين فرص التعليم يعد عاملًا حاسمًا لتحقيق المساواة، خاصة في المراحل الجامعية والمهنية.
إن الدعوة إلى إلغاء النظام الأبوي دون تقديم بديل عملي هي طرح أيديولوجي يصعب تطبيقه. المطلوب ليس الإلغاء، بل تطوير آليات تضمن العدالة والمساواة دون المساس بالاستقرار المجتمعي. فالرهان الحقيقي يجب أن يكون على تحقيق المساواة الفعلية من خلال إصلاحات واقعية تعالج مشكلات المرأة في حياتها اليومية، بدلًا من التركيز على جدالات نظرية لا تُترجم إلى تحسين ملموس في أوضاع النساء.
————-
ذ .محمد الأمين الخليفه – باحث في علم الاجتماع
1 الموقع الرسمي للإسكوا على الرابط www.Unescwa.org
2 نفس المرجع
3 Data.Unwomen.org
4 الموقع الرسمي للإسكوا على الرابط www.Unescwa.org
ملاحظة: تعريف بعض المصطلحات الهامة:
– النظام الأبوي: هو نظام اجتماعي يمنح الرجال السلطة المسيطرة في الأسرة والمجتمع، مما يؤدي إلى تهميش دور النساء في العديد من المجالات.
– النسوية المتطرفة: هي تيار داخل الحركة النسوية يطالب بتغيير جذري في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، ويعتبر النظام الأبوي المصدر الرئيسي للتمييز ضد النساء.
– الجندر: يشير إلى الأدوار الاجتماعية التي يُنسبها المجتمع للأفراد بناءً على جنسهم، وهي تختلف بين الثقافات والمجتمعات.