
قبس – خاص
كتب :البار عبد الدايم الجيد
إنّ حال الإنسان في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية لا يخفى إلا على جاهل أو مغالط، فمن أمعن النظر في وضعه الحالي، دون أن يتلطّف بقراءة تاريخه، أدرك ما نعيشه من ذلّ وانحطاط، بل وما نتجرّعه من خنوع ورقّ فكري. وفي وسط هذا المشهد الملبّد، تبدو المرأة أوضح الضحايا وأكثرها معاناة، في عالم ماتت فيه قيم العدل والمساواة، وأُلبست شعارات زائفة توهمها بالكرامة، في حين أنّها ما تزال محاصَرة بالتهميش، “مهمَّشة خُيّل إليها أنّها مكرّمة”، كما عبّر البدر الخالد في قلوبنا.
فالمتأمّل في حال المرأة الموريتانية يدرك حجم الفجوة والفصام بين النصّ والتطبيق، بين المكانة العظمى التي أولاها لها الإسلام والواقع المعاش الذي فُرض عليها من قِبل من ينصّبون أنفسهم دعاة للفضيلة وأوصياء على الدين، ذلك الدين القيّم الذي حرّم على لسان نبيه وجود وسطاء بين العبد وربّه. فالقرآن الكريم حين خاطب المؤمنين، خاطبهم رجالًا ونساءً على حدّ سواء، وحين نُوديت النساء لمبايعة النبي ﷺ بايعن بأسمائهنّ دون وسيط أو وصيّ، ممّا يثبت مكانة المرأة كمسؤولة حرّة. لكنّ الواقع الموريتاني غالبًا لا يعكس هذه الروح، بل يخضع لقيم متداخلة: أعراف قبلية متجذّرة، وتأثيرات فكرية حديثة مشوَّهة، أعادت إنتاج علاقة وصاية متطرفة على المرأة، تبتعد عن سماحة الإسلام ووسطيته.
مما يلزمنا أن نحاول ـ رغم قصورنا ـ أن نفكّك واقع المرأة الموريتانية المهمَّشة، ونبرز مكامن الظلم الذي تعانيه، لعلّنا بذلك نعيد قراءته من منظور إسلامي سمح يعيد الأمور إلى نصابها، ويظهر أنّ التهميش ليس قدرًا دينيًا بل انحرافًا اجتماعيًا.
ـ العلم والمعرفة
على الرغم من أنّ الإسلام جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، إلا أنّ الواقع الموريتاني ما زال يحرم المرأة في الأرياف والقرى من هذه الفريضة، سواء بالزواج المبكّر أو برأي وصيٍّ يرى من منظوره الخاصّ حرمةَ تمدرس بنات القرية. وهكذا تُحرَم المرأة من أداة التمكين الأساسية: المعرفة.
ـ الحقوق الاقتصادية
إنّ حرمان النساء من ميراثهنّ بذريعة المحافظة على أملاك العائلة أو أولوية الرجال في الإنفاق هو أمر لا أصل له شرعًا، بل ويُعدّ انتهاكًا صريحًا لنصوص الوحي التي شرعت للمرأة ذمّة مالية مستقلّة، وحقًّا محدّدًا في الميراث لا يجوز تجاوزه.
ـ التمثيل الاجتماعي والممارسة السياسية
رُوي عن رسولنا الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، قوله: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وصلاتهنّ في بيوتهنّ خير لهنّ». يُفسَّر هذا الحديث عادة على أنّه إباحة للمرأة بالتعبّد في المساجد، غير أنّ من يطلق هذا التفسير نسي أو تناسى أنّ المسجد في عصر رسول الله لم يكن مجرّد بيت للعبادة، بل كان برلمانًا للأمّة يضمّ كافة شؤونها :السياسي والاجتماعي والديني، ولم تقتصر مشاركة النساء في هذا البرلمان على الحضور والاستماع فقط، بل امتدّت إلى إبداء الرأي والمشورة بل والمعارضة أحيانًا. ومن الأمثلة على ذلك موقف أمّ سلمة رضي الله عنها في إقناع النبي بالخروج من مكّة بعد صلح الحديبية.
وهذا يعني أنّ الإسلام أقرّ للمرأة المشاركة في أمور الأمّة والمجتمع، وهو ما لا نراه كثيرًا في المجتمع الموريتاني. فعلى الرغم من وجود النساء في البرلمان والمناصب الحكومية، إلا أنّ حضورهنّ في القرار السياسي لا يزال خجولًا وضعيفًا مقارنة بالحجم الديموغرافي والدور الاجتماعي. فكيف نتباكى على تاريخ يعجّ بأدوار النساء المسلمات، في حين أنّ مجتمعنا لا يزال يتّهم كلّ من يحاول الرفع من شأن النساء بالغربنة أو الزندقة؟
ـ العنف الاجتماعي والرمزي
إنّ تهميش النساء لا يتوقف عند حدود الاقتصاد والمعرفة والسياسة، بل يتجاوزها إلى العنف الرمزي، كالتحقير من صوت المرأة والتشكيك في قدراتها واختزالها في جسد ومظهر “فتنة”. وهذا لا يقلّ خطأً عن هويّات الجندر في عالم الفِمِنزم، على حدّ تعبير الدكتورة هبة عزة رؤوف. وهذا ـ لعمري ـ مخالف إن لم يكن مناقضًا للنظرة الإسلامية التي كرّمت المرأة لإنسانيّتها العميقة لا لجمالها السطحي.
ختاما، إنّ واقع المرأة الموريتانية المهمَّشة، كما ذكرت آنفًا، ليس قدرًا محتومًا، وإنّما نتيجة تراكمات اجتماعية وثقافية تحتاج إلى مراجعة صادقة وشجاعة. وتكمن الحلول في العودة إلى الإسلام في روحه السمحة التي لا تعني الانغلاق ولا التبرير، بل تعني استعادة الحقوق التي كفلها الشرع كاملة غير منقوصة. ثم إنّ إنصاف المرأة ليس رفاهية، بل شرطًا لنهضة أيّ مجتمع مسلم.
وذلك يحتاج إلى توفير فرص متساوية في التعليم والحقوق الاقتصادية والسياسية، مع إنتاج خطاب ديني تجديدي يوضّح الفارق بين الشرع والعرف، ويؤكد أنّ الإسلام في جوهره دين تحرّري: يحرّر ولا يقيّد، يكرّم ولا يهمّش، يعزّ ولا يذلّ. غير أنّ تحقيق ذلك يظلّ شبه مستحيل في ظلّ نقص النخب في هذا البلد، واشتراء ذممها إن وُجدت.
والله على ما نقول ونفعل شهيد ووكيل.
———-
البار عبد الدايم الجيد.
طالب طب و ناشط سياسي