
قبس – نواكشوط
أعاد الاهتمام المتزايد بالحديد واليورانيوم في إفريقيا تسليط الضوء على موريتانيا، في وقت تتجه فيه المؤسسات التمويلية والشركات الدولية إلى تأمين مصادر المعادن اللازمة للصناعات الاستراتيجية والتحول في مجال الطاقة. ويطرح هذا التطور سؤالًا اقتصاديًا يتجاوز حجم الاحتياطيات: هل تستطيع موريتانيا تحويل ثروتها المعدنية إلى استثمارات منتجة وقيمة مضافة محلية؟
من الحديد إلى اليورانيوم.. مؤشرات على اتساع الاهتمام الدولي
برزت أحدث الإشارات في تقرير نشرته وكالة «رويترز» في 16 أكتوبر الجاري، نقلًا عن مسؤول في مؤسسة التمويل الإفريقية (AFC)، تحدث عن سعي المؤسسة إلى الاستثمار في مشاريع الحديد واليورانيوم بالقارة، في إطار توسيع حضورها في قطاع المعادن الاستراتيجية. وأشار التقرير إلى أن الإنتاج المشترك للحديد في موريتانيا وغينيا وليبيريا وسيراليون يمكن أن يجعل المنطقة ضمن أكبر ثلاثة منتجين عالميًا من حيث الحجم خلال السنوات العشر المقبلة.
لكن التقرير لا يعني أن المؤسسة أعلنت بالفعل تمويل مشروع محدد في موريتانيا؛ إذ تحدث المسؤول عن العمل على تمويل مشاريع، وعن إمكانية الإعلان عن استثمارات خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر واثني عشر شهرًا. وهذا فارق مهم بين الاهتمام الاستثماري والالتزام المالي النهائي.
اليورانيوم يفتح مسارًا استثماريًا جديدًا
يمثل مشروع «تيريس» لليورانيوم، الذي تطوره شركة «أورا إنرجي» الأسترالية في شمال شرقي موريتانيا، أحد الملفات التي تستحق المتابعة. ووفقًا لتقرير تجاري صادر عن إدارة التجارة الدولية الأمريكية، تقدم المشروع في أعمال الهندسة والدراسات البيئية، مع بقاء التمويل وقرار الاستثمار النهائي من المراحل الحاسمة قبل الانتقال إلى الإنتاج.
وتكشف هذه المرحلة أن جاذبية القطاع لا تقاس بالاحتياطيات المعدنية وحدها، بل كذلك بقدرة المشاريع على استكمال التمويل، وتأمين المشترين، وتوفير البنية التحتية اللازمة للإنتاج والتصدير.
البنية التحتية والقيمة المضافة.. الاختبار الحقيقي
تظل الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم» محورًا رئيسيًا في مستقبل الحديد الموريتاني، خصوصًا مع خطط تطوير السكك الحديدية والموانئ لرفع القدرة على نقل الخام وتصديره. كما أدرج البرنامج الحكومي لعام 2026 زيادة الإنتاج، وتطوير مشاريع معدنية جديدة، وتسريع تعبئة التمويل ضمن أولوياته الاقتصادية.
غير أن التحدي الأهم يتمثل في مدى قدرة موريتانيا على تحويل الاستثمارات إلى فرص عمل مستدامة، وتوسيع الخدمات والصناعات المرتبطة بالتعدين، وزيادة القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني، بدل الاقتصار على استخراج الخام وتصديره.
الخلاصة
تشير المعطيات المنشورة إلى اتساع الاهتمام الدولي بالثروة المعدنية الموريتانية، في سياق المنافسة على مصادر الحديد واليورانيوم والمعادن الاستراتيجية. لكن تحديد حجم هذا التحول يظل مرتبطًا بما سيُعلن من اتفاقات تمويل نهائية، وقرارات استثمار، ومشاريع تدخل فعلًا مرحلة التنفيذ.
وبالنسبة إلى موريتانيا، لا يتعلق الرهان بجذب رؤوس الأموال وحده، بل بشروط الشراكة، ونصيب الاقتصاد الوطني من العائدات، ومدى انعكاس الثروة المعدنية على التشغيل والتنمية والبنية التحتية.