
كتب سيد احمد امصيدف
التزمنا منذ اليوم الأول لطوفان الأقصى بالدعم في حدود من لا حيلة له إلا الدعاء شعرا ونثرا، وملازمة الشد على أيدي مجاهدي القطاع بما يساهم في رفع الهمم وتعرية الكيان المغتصب وحلفائه الذين هم في الحقيقة رأس الحربة في فعل الإحتلال من لدن “بلفور” إلى اليوم.
لم يكن بإمكاننا أن نفعل غير ذلك، فلا وقت لنقاش الأمور بعقل متجرد، فسياق الحرب حين تندلع بين الإخوة والأعداء سياق عاطفة بالدرجة الأولى، لا وقت فيه لغير الدخول على خطوط المواجهة في حدود المستطاع.. وإن لم يكن غير الدعاء الصادق وما أعظمها من ترسانة معلومة الفتك، أن تتوجه إلى الله بقلب فارغ مما سواه تسأله مسألة المضطر ومن يجيب المضطر إذا دعاه؟!:
يارب عاكب ذ الطوفان. شوفن زلزال أبركان
واتسونامي والريح اكران حجارة تمطر من سجيل
فالكيان ابجاه القرآن. والتوراة أجاه الإنجيل
والزبور أجاه أرجيناك. الرسول أجاه الخليل
والكليم، أجاه امع ذاك. المسيح أجاه اسرائيل!!
كان هذا النص، أول وأهم قاذفة من دعاء رميت بها – ومارميت إذ رميت – العدو مساء الطوفان، ارتجلتها – على غير عادتي في قرض اللهجي- بشكل عفوي وسريع.. فأحسست بأن الله مجيب دعائي لا محالة.. ورأيت من أمور ومجريات الحرب ما أخذته أمارات استجابة، صواريخ تضرب الكيان وآليات فتك أخرى تحمل، أسماء من قبيل، “بركان” و”زلزال” و”سجيل”، وسمعت دون أن أتأكد من صدقية المعلومة بانتشار فيديوهات توثق مايشبه الفيضانات في أرض العدو، ولا بد أن الأمطار الغزيرة التي توالت على القطاع خلال الحرب، جاءت لتضر العدو وتربك حركته وتفسد عليه من أمره أكثر مما تضر أصحاب الأرض ..
الريح العاتية المتواصلة التي سألت الله أن يرسلها على العدو، جاءت أيضا وفي الوقت والمكان المناسبين، فضربت العدو الأكبر في عمق أرقى ولاياته مخلفة من خسائرها ، ما لا بد أنه كان له الأثر الأول في جعل تحالف الأعداء يراجع حساباته ويجنح للصلح على النحو المفاجئ الذي رضي عنه المجاهدون،وقبلوا به لتضع الحرب في القطاع أوزارها وليمكننا أن نعود لعقولنا في قضيتنا الكبرى والأهم بعد خمسة عشر شهرا من الصدور الاضطراري عن العاطفة ، فالله أكبر والحمد لله على جميع آلائه ونعمه…
اليوم واليوم فقط نستطيع أن نبوح بوجهة نظر متجردة لا نرتهن فيها للعاطفة وحدها، تقول بالمختصر المفيد، نعم الحرب شجاعة وإقدام لكنها كذلك رأي ومكيدة، ولنا في القرآن العظيم خير مرشد ، قال جل من قائل “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير قدوة ونعلم جميعا، كيف خرج من أحب بقاع الأرض إليه مهاجرا ومن معه من المؤمنين ..وكيف رأيناه في سنين معدودة يدخل مكة بعد ذلك فاتحا ليشرع لنا الهجرة التكتيكية كخيار ضمن خيارات تقتضيها الإدارة الحازمة للصراع …ونعلم جميعا أن الإنسان أغلى من الأرض وأن زوال الكعبة أهون عند الله من قطرة دم أمرئ مسلم …إلى غير ذلك من عبر وأمور كان بودنا لو تدبرها مقاومونا الأشاوس قبل الإقدام على فعلتهم التي بقدر ما أثلجت صدورنا أقلقت نفوسنا شفقة على أهلنا في القطاع وكامل الأراضي المحتلة والمنطقة من مآلات الأمور ومسار ردود الفعل من عدو متملص من كل قيم الإنسانية ومدجج بأعتى ترسانة تدميرية في العالم.
خلاصة القول، ليس من الأخوة في شيء أن تعمد إلى الأخذ على أخيك لحظات الكرب والفجيعة ، ولكن ليس من الأمانة كذلك معه أن تصفق له على الفعل ضره عليه أكثر من نفعه ، يورده موارد التهلكة وربما يعيده سنوات إلى الوراء.