
كتب محمد يحيى \اجيد \ الشيخ
الوحدة الوطنية هي العمود الفقري الذي تستند إليه استمرارية الدول والمجتمعات ، خاصة في بلدان متعددة المكونات الثقافية والاجتماعية مثل موريتانيا . ورغم أن هذا التنوع يمثل مصدر قوة وإثراء ، إلا أنه يصبح هدفًا لمحاولات الفتنة والتفكيك ، التي تستغل أي ثنائية اجتماعية لتحويلها إلى صراع وهمي .
تُعد ثنائية الزوايا وحسان ، وكذلك ثنائية البيظان البيض والبيظان السود (الحراطين) ، من أكثر مكونات النسيج الاجتماعي الموريتاني عرضة لهذه المحاولات المشبوهة واليائسة . ورغم اختلاف الأدوار والتجارب التاريخية ، يجمع هذه الثنائيات في ما بينها ، بل ومع المكونات الوطنية الاخرى روابط عميقة من التكامل والتمازج ، مما يجعلها مكونات أساسية لجسد وطني واحد .
الزوايا وحسان جسدان بروح واحدة ، تاريخيًا واجتماعيًا . اضطلعت القبائل الحسانية بدور الحماية السياسية والعسكرية ، بينما تولت الزوايا نشر العلم والدين ، في شراكة وظيفية حافظت على استقرار المجتمع لعقود طويلة .
ورغم التمايز الظاهري بين الطرفين ، فإن العلاقة بين الزوايا وحسان كانت دائمًا علاقة تشابك وتداخل . كثير من الزوايا ينتمون نسبًا إلى حسان ، وكثير من حسان أصبحوا زوايا بفعل التحولات التاريخية والاجتماعية . هذا التداخل يجعل من الصعب تصديق أي فكرة عن وجود فاصل حقيقي بينهما .
حتى في أشد الفترات توترًا ، مثل حروب “شرببه” ، ظل الطرفان على علاقة من التضامن والتعاون ، لأنهما أدركا أن مصيرهما مشترك ، وأن أي انقسام بينهما يعني ضياع الجميع .
ثنائية البيظان البيض والبيظان السود هي وجه آخر للوحدة والتنوع داخل المكون البيظاني الناطق باللهجة الحسانية . كلا الطرفين ينتميان إلى نفس الإطار الثقافي والاجتماعي ، ويتحدثان نفس اللغة ، ويتشاركان العادات والتقاليد .
ومع ذلك ، فإن الفوارق الاجتماعية والتاريخية أوجدت بعض التمايزات التي يحاول البعض استغلالها لإحداث شرخ داخل هذا المكون . لكن الحقيقة أن البيظان البيض والبيظان السود ليسوا طرفين متصارعين ، بل هم جزء من نسيج متشابك، تربطهم علاقات المصاهرة والتعايش المشترك ، ويتشاركون في بناء المجتمع والدفاع عن قضاياه .
التشابه بين ثنائية الزوايا وحسان من جهة ، وثنائية البيظان البيض والبيظان السود من جهة أخرى ، يبرز في عدة جوانب :
— التداخل التاريخي والاجتماعي : كما أن الزوايا وحسان مرتبطون بروابط النسب والمصاهرة ، فإن البيظان البيض والبيظان السود تربطهم نفس العلاقات ، مما يجعل أي محاولة لفصلهم عن بعضهم البعض أمرًا مفتعلًا وغير واقعي .
— التكامل الوظيفي: الزوايا وحسان تكاملوا في الدين والسياسة، والبيظان البيض والبيظان السود تكاملوا في الاقتصاد والاجتماع . هذه التكاملات كانت وما زالت سببًا في بقاء المجتمع الموريتاني متماسكًا .
— الاستهداف المشترك : كلا الثنائيتين مستهدفتان من قبل دعاة الفتنة الذين يسعون إلى تفكيك النسيج الاجتماعي عبر خلق صراعات وهمية لا أساس لها .
إن إشعال صراع وهمي بين ثنائيات النسيج الاجتماعي الواحد ليس سوى جزء من مخطط أوسع يهدف إلى تفكيك البلد وبنياته الاجتماعية الراسخة ، وهو أمر يجب أن نتصدى له جميعًا . من المستفيد من ذلك ؟ بالتأكيد ليس الشعب الموريتاني ، بل القوى التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار وتعزيز الانقسامات لتضعف الدولة والمجتمع .
الفتنة هي مرض اجتماعي خطير يبدأ بالتلاسن والتنابز بالألقاب ، ثم يتحول إلى انقسامات أعمق قد تؤدي إلى صراعات مدمرة . ولكن علينا أن ندرك أن الحل يبدأ من وعينا الجماعي بأن ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا ، وأن الوحدة الوطنية ليست مجرد شعار ، بل ضرورة وجودية .
القيادات الفكرية والسياسية لها دور كبير في تعزيز الوحدة الوطنية ، وهذا ما ينبغي ان تجسده شخصية مثل الأستاذ سيد أحمد ولد الدي ، الذي تعرض لسوء فهم بسبب تصريحاته الأخيرة . عرفته منذ درسني النحو في المدرسة العليا للتعليم في بداية الثمانينيات والى اليوم رجلاً وطنيًا صادقًا ، لا ينحاز لفئة على حساب أخرى ، ولا يتملق احدا . إن تقديم استقالته ذات مرة من اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات دليل على نزاهته ورفضه الإملاءات ، وهو موقف نادر في سياق سياسي يغلب عليه أحيانًا التكيف مع الضغوط .
ومع ذلك ، فإن ما قاله الأستاذ سيد أحمد ، رغم نواياه الحسنة ، أُخذ خارج سياقه وأساء البعض فهمه . علينا أن نتعامل مع هذه القضايا بروح التسامح والحوار البناء وأن ندرك أن الزلات الكلامية ليست مبررًا لإثارة الشقاق.
محاولات إشعال الفتنة بين الزوايا وحسان ، أو بين البيظان البيض والبيظان السود ، ليست سوى أدوات يستخدمها أعداء الوحدة الوطنية لتحقيق أهدافهم . هذه المحاولات تهدف إلى ضرب استقرار المجتمع من خلال استغلال الجهل والتمييز والظروف الاقتصادية .
المستفيد الوحيد من هذه الفتنة هو من يسعى إلى زعزعة الدولة وإضعافها ، بينما الخاسر هو الجميع دون استثناء. لذلك، يجب أن يكون التصدي لهذه المحاولات مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع .
الدولة :
— تطبيق القوانين التي تجرم خطاب الكراهية والتمييز.
— تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة ، خاصة في المناطق التي تعاني من التهميش .
— تعزيز خطاب الوحدة الوطنية عبر الإعلام والتعليم والأنشطة الثقافية .
المجتمع :
— نشر الوعي بمخاطر الفتنة ، وتعزيز قيم التسامح والتعايش .
— رفض الشائعات والخطابات التحريضية التي تسعى إلى تقسيم المكونات الاجتماعية .
— التركيز على القواسم المشتركة التي تجمع الجميع تحت مظلة الوطن الواحد .
إلى الزوايا وحسان ، وإلى البيظان البيض والبيظان السود : نحن جميعًا أبناء وطن واحد ، تجمعنا لغة مشتركة ، ودين واحد ، وتاريخ موحد . أي محاولة لزرع الفتنة بيننا هي محاولة لضرب الوطن بأسره ، ويجب أن نكون واعين لهذا الخطر .
موريتانيا ليست خيمة تقوم على ركيزة واحدة . الزوايا وحسان والبيظان البيض والبيظان السود هم ركائزها وأعمدتها . إذا ضعف أي جزء منها ، انهارت الخيمة بأكملها .
التنوع داخل المجتمع الموريتاني ليس عيبًا أو ضعفًا ، بل هو مصدر قوة . الزوايا وحسان ، البيظان البيض والبيظان السود ، جميعهم شركاء في بناء هذا الوطن وحمايته .
فلنقف معًا في وجه دعاة الفرقة ، ولنجعل من اختلافاتنا مصدرًا للتكامل ، لا للصراع . بهذا فقط نستطيع أن نحمي وطننا ونبني مستقبله على أسس الوحدة والعدالة والتضامن .
إن أي مجتمع يتعرض لمحاولات زرع الفتنة والانقسام يجب أن يمتلك مناعة فكرية واجتماعية لمواجهتها . الوعي الجماعي هو الدرع الأول في التصدي لهذه المحاولات ، وهو ما يتحقق من خلال تربية الأجيال على قيم التسامح والتعاون ، وتعزيز الهوية الوطنية التي تسمو فوق الانتماءات الضيقة .
على الجميع أن يدرك أن من يعمل على تقسيم المجتمع سواء بوعي أو بدونه ، إنما يخدم أجندة خفية تستهدف استنزاف الموارد وضرب الاستقرار . لذلك فإن كل فرد مسؤول عن مكافحة هذه الظواهر من موقعه ، سواء كان قائداً ، أو مثقفاً ، أو فرداً عادياً ، من خلال نشر الوعي والتحذير من مغبة التفرقة .
تاريخ الزوايا وحسان والبيظان بيضا وسودا مليء بالمواقف التي تؤكد صلابة العلاقة بينهم . في أوقات الأزمات ، وقف الجميع كتفًا إلى كتف ، سواء في مواجهة الغزاة والمستعمرين أو في حفظ السلم الأهلي . لم تكن هناك جدران تفصل بين القبائل ولا الشرائح ، بل كانت الجسور هي الحاضرة دائمًا ، تتيح التواصل والتكامل بين الجميع .
هذه الدروس التاريخية يجب أن تُروى للأجيال القادمة ليعرفوا أن التعايش ليس خيارًا بل هو قاعدة أساسية لبقاء المجتمع . كما أن استحضار هذه الأمثلة يُظهر أن الفتنة الحالية ليست سوى حالة طارئة سرعان ما تزول إذا أدرك الجميع حقيقتها وأهدافها .
محمد يحيى \اجيد \ الشيخ ،مدير العلاقات الخارجية بالجمعية الوطنية سابقا