
قبس – خاص
كتب محمد يحيى ول اجيد ول الشيخ
تمر بلادنا بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها نوايا الإصلاح مع خيوط مؤامرات تتخفى في عباءة النضال الحقوقي والاجتماعي ، وهي في حقيقتها أجندات خبيثة تستهدف اللحمة الوطنية ، وتنخر في جسد مجتمع هش بطبعه ، متماسك بإيمانه ، معرض للتفكك إذا لم تتوفر له يقظة واعية وبصيرة حازمة .
لقد آن الأوان لكشف الحقائق ، وفضح المؤامرات ووضع النقاط على الحروف ، وسحب البساط من تحت أقدام أدعياء النضال الذين يتاجرون بقضايا الفئات المهمشة ، لا لنصرتها ، بل لاستغلالها مطية للوصول إلى مكاسب شخصية ، وأدوات للابتزاز السياسي والإعلامي .
إن ما كشفه الدكتور السعد ولد لوليد بجرأة واستقلالية فكرية ، وما دعمه به الكاتب سيدي علي بلعمش ، ليمثلان جرس إنذار مدوٍ يجب أن تتلقفه الدولة وأجهزتها الأمنية والسياسية ، ويجب أن يتفاعل معه الرأي العام بجدية . فالتغاضي عن هذه الحقائق لم يعد مقبولا ، والصمت أمام التغلغل الممنهج لتلك العصابات المتلونة لم يعد خيارا .
حين تتحول قضايا العدل والمساواة إلى ستار يُخفي خلفه تحالفات مع منظمات خارجية ، وتمويلات مشبوهة ، وحملات مسعورة ضد الدولة ومؤسساتها ، فالأمر لم يعد نضالا ولا دفاعا عن المظلومين ، بل مؤامرة مكتملة الأركان .
إن الحديث عن رموز محسوبة على “حركات حقوقية” مثل إيرا وامتداداتها ، وارتباطها “بافلام” وبأسماء لها تاريخ في التآمر والانقلاب والارتباط بالسفارات والمنظمات الدولية ، لا يمكن أن يكون حديثا عرضيا . بل هو تشريح لواقع خطير يعيد إنتاج أزمات عرقية وطائفية في ثوب نضالي مزيّف ، يخدم فقط مصالح نخبة صغيرة متحالفة مع أعداء الداخل والخارج .
أخطر ما يواجهه الحراطين اليوم ، ليس فقط ما تبقى من آثار تهميش اجتماعي أو إرث عبودي ، بل محاولات خطيرة لتأجيج وضعهم وتفجيرهم من الداخل ، عبر زرع نخبة “متزنجة” تتكلم بلسانهم ، وتدعي تمثيلهم ، وهي في حقيقتها أداة لتمرير الفكر الزنجي الانفصالي ، وتغريب قضيتهم عن بعدها الوطني . على الجميع ان ينتبهوا . فحين يتنكر الزنجي في عباءة الحراطين فتلك لعبة مفخخة .
إن هؤلاء الذين يضعهم الدكتور السعد تحت المجهر ، لا يناضلون من أجل رفع الظلم ، بل من أجل إعادة إنتاجه في شكل جديد ، أشد خطورة : تزييف الوعي ، وصناعة الضحية الوهمية ، وزرع مشاعر الحقد والكراهية ، وبث خطاب التخوين والتمزيق في نفوس الشباب الباحث عن العدالة والكرامة .
لقد قال الدكتور السعد ، وهو من أدرى الناس بتفاصيل القضية ، كلمة تختصر الحقيقة كلها : “عدالة قضية لحراطين لا تحتاج عمالة ولا تآمرا… بل تحتاج صدقا ونقاء وصبرا وعطاء واعتزازا بالنفس من غير غرور” .
وهذا ما نحتاجه اليوم : نضال نقي ، غير متورط في أجندات خارجية ، وغير مرتهن للسفارات ، ولا خاضع لابتزاز لوبيات الحقوق الزائفة . نحتاج لحراطين أحرارا ، يطالبون بحقوقهم بصوتهم ، لا بأصوات الزنوج الانفصاليين ، ولا بلغة المنظمات المشبوهة .
لقد آن الأوان لتتعامل الدولة مع هذه العصابات بصرامة ، لا باعتبارها تنظيمات حقوقية ، بل باعتبارها أدوات اختراق ، ومنصات لزرع الفتنة ، وتمهيدا لصراعات عرقية قد تقود البلاد إلى المجهول .
ما يحدث ليس “حرية تعبير” ، ولا “نضالا حقوقيا” ، بل تهديد سافر للسلم الأهلي ، وتهجم على ثوابت الدولة ، ومحاولة لاختراق المؤسسات من الداخل ، باسم المظلومية ، والتاريخ ، والمعاناة .
نحن بحاجة لنخب صادقة ، وشباب وطني ، يعلي راية الوطن فوق كل راية ، ويضع وحدة البلاد وأمنها في المرتبة الأولى . نريد أن ننتصر للحراطين ، نعم ، ولكن نريد أن ننتصر لهم في إطار الدولة ، وبآلياتها ، لا على أنقاضها .
وليعلم كل من يسعى إلى تفخيخ البلاد ، وتجييش المكونات ، وتمزيق المجتمع ، أن للصبر حدودا ، وأن وعي الشعب الموريتاني ، وحكمة عقلائه ، ستكون له بالمرصاد .
لن تكون موريتانيا مسرحا لحروب الوكالة ، ولا ساحة لتجار الأجندات ، ولن يُضحّى بأبرياء الحراطين والفولان ، في سبيل انتصارات مزعومة لفئة لا تؤمن إلا بنفسها ، ولا تخدم إلا مصالحها .
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أمة ، ليس الفقر ولا الجهل ولا المرض ، بل أن يمسخ وعي أبنائها ، وأن يُختطف نضالها ، وأن تتحول مطالبها العادلة إلى مطية لأطماع غير مشروعة .
لقد آن لنا أن نغلق الباب أمام المتاجرين بأوجاعنا . فليس كل من تحدث عن العدل منصفا ، ولا كل من صرخ بالحرية حرا .
نحن في مفترق طرق ، إما أن نعيد تعريف النضال بمعاييره الأصيلة : وطنية الطرح ، ونقاء القصد ، وصدق الوسيلة ، أو نترك الساحة لمرتزقة الشعارات ، ممن لا يهمهم من القضية إلا ما يدر عليهم دعما أو سلطة أو شهرة .
لسنا ضد التغيير ، لكننا نريده تغييرا يصنعه الصادقون ، لا المتآمرون ، الأوفياء ، لا السماسرة ، الوطنيون ، لا وكلاء الخارج واصحاب الأجندات السامة .
ولنعلم أن بناء وطن يسع الجميع ، لا يكون بإشعال الحرائق ، بل بإضاءة شموع الوعي ، وترميم جسور الثقة ، واستعادة المعنى الحقيقي للعدالة : عدالة لا تستثني أحدا ، ولا تظلم أحدا ، ولا توظف كخنجر في خاصرة الأمة .
موريتانيا لن تكون رهينة في يد من تعودوا العيش في المؤامرات وسوء النوايا ، ولن تكون سلعة في أسواق النخاسة الحقوقية العالمية .
فاحفظوا وطنكم قبل ان يزرع بخناجر المغول ، قبل أن يتفلت من بين أيديكم وان الاوطان اليوم لاشد تفلتا من الابل في عقلها .
———————
محمد يحيى ول اجيد ول الشيخ ، مدير العلاقات الخارجية بالجمعية الوطنية سابقا