
كتب محمد يحيى ول اجيد ول الشيخ
في مجتمع مثل المجتمع الموريتاني ، حيث تتشابك القبيلة بالدولة ، والتاريخ بالواقع ، والانتماء بالوعي ، يطفو على السطح سؤال حائر ومربك : هل يمكن للحراطين أن يستمروا كجزء من القبيلة ؟ وما مكانتهم داخلها ؟ وهل يمكن للقبيلة والدولة أن تسيرا جنبا إلى جنب دون أن تتصادما في المفهوم والممارسة ؟
هذه الأسئلة طرحها بعض الاخوة من ذوي الميول اليسارية بصوته المميز ، وبتصوره البسيط والعميق في آن ، وهو يضع أمامنا إشكالية ليست جديدة ولكنها متجددة بحدة ، كلما لاحت في الأفق بوادر وعي طبقي أو اجتماعي جديد ، أو كلما تفجرت دعوة إلى العدالة والكرامة والإنصاف .
يصور الاخ القبيلة كـ”خيمة” ، وهذا التشبيه – على شاعريته – حمل طابعا تسلسلياً تراتبياً حادا : في أعلى الخيمة الزعامة ، ثم الوجهاء الوسطاء ، ثم المقاتلون التقليديون والحماة الثقافيون والدينيون ، إلى أن نصل إلى الحبال والفراش ، حيث تموقع لحراطين في قاع الهرم ، كجزء من الأرضية التي تقوم عليها الخيمة كلها .
هذا التصوير الرمزي ، وإن استند إلى مفاهيم مألوفة في المخيال الشعبي ، من قبيل “خيمة أهل فلان” ، و”الخيمة الكبيرة” ، إلا أنه يظل قياسا مع وجود الفارق ، بل لعله تغليب للمجاز على الحقيقة ، وتسليم ضمني بمقولات التراتب القبلي بدل مساءلتها . فهل حقا يجب على لحراطين أن يغادروا الخيمة ؟
إن دعوة البعض إلى فك الارتباط بين لحراطين وقبائلهم هي دعوة خطيرة ، تتجاهل البعد النفسي والاجتماعي العميق للانتماء ، وتفترض – ضمنيا – أن الحل في القطيعة لا في النضال . وهي بذلك تقفز على الواقع بدل تفكيكه ، وتطالب الضحية بتبني خيار الهروب بدل خيار التغيير .
فكما أن المواطن المهمش لا يطلب منه مغادرة وطنه او دولته لأنه لم ينصف ، لا ينبغي للحراطين أن يطلب منهم مغادرة قبائلهم لأنهم في قاعها او كانوا في قاعها في فترة من الفترات . بل إن النضال الحقيقي هو أن يصبحوا في قلب الخيمة ، أن يكونوا “الحمار” ، و”اركايز” ، و”ادواريك” ، وأن يعيدوا تشكيل ملامح الانتماء نفسه .
يتفق الجميع على أن الدولة ينبغي أن تكون البديل الأسمى ، الحاضنة الكبرى التي تذيب الفوارق ، وتحطم القيود التقليدية ، وتمنح كل ذي حق حقه . لكن الواقع يكشف أن الدولة – رغم عقود من التأسيس – ما زالت عاجزة عن القيام بوظائفها الكاملة ، سواء في الصحة أو التعليم أو العدالة أو الحماية الاجتماعية .
هنا تظهر القبيلة كرافد تكافلي اجتماعي ، لا كبديل للدولة ، بل كمكمل لها في ظل عجزها . فالقبيلة اليوم ما زالت تقوم بأدوار لا غنى عنها : في الصلح ، والمواساة ، والتكافل ، والتدخل عند الشدائد ، ومساندة أبنائها في وجه صعوبات الحياة .
لكن هذه الوظيفة التكافلية لا ينبغي أن تبرر استمرار البنية التراتبية الجائرة . يجب أن نميز بين القبيلة كمجتمع تضامن ، والقبلية كمنظومة تمييز . فالقبلية هي الخطر الحقيقي ، لأنها تقوم على التفاخر الموروث ، والإقصاء الطبقي ، وتقديس النسب ، ورفض الاندماج .
من التناقضات اللافتة ما أشار إليه الاخ من ان له صديقا من لحراطين مثقفا ، واعيا ، لكنه ما يزال منغمسا في قبيلته ، حاضرا في مجالسها ، مشاركا في همومها ، ومنفقا من ماله لدعمها . بالنسبة له ، هذا تناقض لا يفهم . لكنه في الحقيقة ليس تناقضا إلا في الظاهر .
فالانتماء ليس مجرد موقف عقلي ، بل هو إحساس متجذر ، وإرث نفسي يصعب التخلص منه . قد ينتقد الإنسان منظومة ما ، لكنه يظل جزءا منها لأن البديل لم يتبلور ، أو لأن الخروج منها يعني العزلة ، أو لأنه ببساطة يراهن على التغيير من الداخل .
الخيمة ليست هي المشكلة . الخلل في طريقة توزيع الناس داخلها . ليست القبيلة في ذاتها شرا ، بل في ما أُلصق بها من تراتبية ظالمة وأعراف متخلفة . المشكلة ليست أن تكون “من خيمة اهل افلان” ، بل أن تعتبر نفسك فوق غيرك فقط لأنك ولدت في زاوية معينة من الخيمة .
القبيلة يمكن أن تكون بيتا للجميع إذا نزع منها الاستعلاء . يمكن أن تتحول من أداة قهر إلى فضاء تضامن ، من نظام جائر إلى شبكة علاقات إنسانية واجتماعية مرنة .
لقد حيكت هذه الخيمة التي اسمها “مجتمع البيظان” من خيوط متعددة : الدراعة والملحفة ، والتيدينيت والنيفارة ، والتاريخ والمصير واللسان العربي المبين . لا يحق لأحد أن يمزقها باسم نقاء اجتماعي ، ولا يحق لآخر أن ينزوي في زاوية منها بذريعة الغبن .
الحرية والكرامة لا تنتزع من خلال القطيعة ، بل من خلال الإصلاح والنضال ، والمراجعة الشجاعة للمفاهيم ، والتأسيس لوطن يتسع للجميع .
لا نحتاج إلى هدم الخيمة ، بل إلى إعادة ترتيبها بعدل وإنصاف ، حتى يشعر كل فرد أنه في موضعه الذي يستحق ، لا في الفراش ولا في القمة ، بل في المكان الذي اختاره له جهده ووعيه وإنسانيته .
فهل نملك الشجاعة الكافية لنحلم بهذه الخيمة الجديدة ؟
محمد يحيى ول اجيد ول الشيخ