
شهدت موريتانيا منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين مسارًا سياسيًا اتسم بعدم الاستقرار، حيث تعاقبت الانقلابات العسكرية على الحكم منذ انقلاب 1978 الذي أطاح بالرئيس المختار ولد داداه، وصولًا إلى انقلابات لاحقة أعادت تشكيل موازين السلطة داخل الدولة. ورغم أن هذه الظاهرة تبدو منتمية إلى سياق الدولة الحديثة، فإنها تستحضر نمطًا تاريخيًا مشابهًا عرفته دولة المماليك خلال العصر الوسيط، حيث كانت السلطة تُنتزع بالقوة داخل النخبة العسكرية نفسها، في ظل غياب مؤسسات سياسية مستقرة. هذا التقاطع بين تجربتين متباعدتين زمنيًا يطرح إشكالًا سوسيولوجيًا عميقًا يتعلق بطبيعة السلطة ومصادر شرعيتها، وبالدور الذي تلعبه المؤسسة العسكرية في إعادة إنتاج النظام السياسي.
إن تحليل ظاهرة الانقلابات في موريتانيا يكشف عن هشاشة واضحة في بنية الشرعية السياسية، إذ ظلت السلطة تتأرجح بين الشرعية الدستورية والشرعية العسكرية، حيث غالبًا ما يبرر الجيش تدخله باعتباره ضرورة لحماية الدولة أو تصحيح مسارها. وقد ارتبط أول انقلاب سنة 1978 بأزمة اقتصادية وسياسية حادة، ما أتاح للمؤسسة العسكرية فرصة التدخل وإعادة تشكيل السلطة. وفي المقابل، لم تعرف دولة المماليك أصلًا مفهوم الشرعية المؤسسية، بل تأسست السلطة فيها على القوة العسكرية والقدرة على فرض السيطرة. ويتيح هذا الوضع استحضار تصور ماكس فيبر الذي يربط قيام الدولة باحتكار العنف المشروع، غير أن هذا الاحتكار، في الحالتين، لم يتحول إلى أساس للاستقرار، بل إلى أداة للصراع داخل النخبة. وهكذا تتراجع الشرعية القانونية لصالح ما يمكن تسميته بشرعية الأمر الواقع، حيث يصبح من يمتلك القوة هو الأجدر بالحكم.
ولا يمكن فهم هذا المسار دون الوقوف عند الدور المركزي الذي تلعبه المؤسسة العسكرية، إذ لم يكن الجيش في موريتانيا مجرد جهاز دفاعي، بل تحول إلى فاعل سياسي أساسي، يتدخل في لحظات الأزمات ليعيد ترتيب السلطة من الداخل. وتشير دراسات مثل أعمال Boubacar N’Diaye إلى أن الحالة الموريتانية عرفت نوعًا من “مأسسة تفوق العسكر”، حيث أصبح تدخل الجيش في السياسة سلوكًا متكررًا ومقبولًا ضمنيًا داخل النظام. أما في دولة المماليك، فقد كانت المؤسسة العسكرية هي جوهر الدولة نفسها، حيث تشكلت النخبة الحاكمة من طبقة عسكرية مغلقة تتنازع الحكم فيما بينها. وفي كلتا الحالتين، لا يظهر الانقلاب كصراع بين الدولة والمجتمع، بل كصراع داخلي بين فاعلين ينتمون إلى نفس البنية السلطوية، وهو ما يعكس طبيعة السلطة كحقل مغلق.
ومن هذا المنظور، يتضح أن تداول السلطة لا يتم عبر آليات مؤسسية مستقرة، بل عبر العنف أو التهديد به. ففي موريتانيا، وعلى الرغم من وجود دستور وانتخابات، فإن الانقلابات ظلت وسيلة حاضرة لتغيير الحكم، خاصة عندما تتفاقم الأزمات أو تتصاعد الصراعات داخل النخبة. وتشير تحليلات مراكز بحثية مثل Carnegie Endowment إلى أن العديد من هذه الانقلابات كانت نتيجة توترات داخل النظام نفسه، وليس نتيجة ضغط شعبي مباشر. أما في دولة المماليك، فقد كان العنف هو القاعدة الأساسية لتداول السلطة، حيث يُعزل السلاطين أو يُقتلون في إطار صراعات مستمرة داخل النخبة العسكرية. ويمكن تفسير هذا الوضع من خلال نظرية الحقول عند بيير بورديو، حيث تتنافس النخب داخل نفس المجال على رأس المال السياسي، مما يجعل الصراع حتميًا في ظل غياب قواعد مؤسسية تضبطه.
ويزداد هذا الوضع تعقيدًا عندما تكون المؤسسات السياسية ضعيفة أو غير قادرة على فرض قواعد اللعبة الديمقراطية. ففي موريتانيا، ورغم محاولات بناء نظام سياسي حديث منذ دستور 1991، ظلت المؤسسات عرضة للتعطيل والتجاوز، خاصة في لحظات الأزمات، وهو ما يؤكد ما ذهب إليه Samuel Huntington من أن ضعف المؤسسات يؤدي إلى ارتفاع احتمالات الانقلابات. أما في دولة المماليك، فقد غابت المؤسسات الحديثة أصلًا، مما جعل القوة هي المحدد الرئيسي للعلاقات السياسية. وفي هذا السياق، لا يعود الانقلاب حدثًا استثنائيًا، بل يتحول إلى آلية عادية لإدارة الصراع على السلطة.
ورغم أن الانقلابات توحي ظاهريًا بإحداث تغيير جذري في النظام السياسي، فإنها في الواقع غالبًا ما تؤدي إلى إعادة إنتاج نفس البنية السلطوية. ففي موريتانيا، لم تؤدِّ الانقلابات المتكررة إلى قطيعة حقيقية مع الماضي، بل إلى إعادة ترتيب موازين القوة داخل النخبة الحاكمة، مع استمرار الدور المركزي للمؤسسة العسكرية. وبالمثل، في دولة المماليك، لم تكن الانقلابات تغير طبيعة النظام، بل تعيد إنتاجه داخل نفس الإطار العسكري. ومن هنا يمكن النظر إلى الانقلاب ليس كوسيلة للتغيير، بل كآلية لإعادة إنتاج السلطة داخل نفس البنية، حيث يتم استبدال الفاعلين دون تغيير القواعد.
إن المقارنة بين الحالتين تكشف عن مفارقة أساسية، تتمثل في أن دولة حديثة مثل موريتانيا قد تعيد إنتاج أنماط تقليدية في ممارسة السلطة، رغم تبنيها لمؤسسات ديمقراطية شكلية. وفي المقابل، فإن دولة المماليك تمثل نموذجًا مكتملًا لنظام سياسي قائم على القوة العسكرية، حيث كان الانقلاب جزءًا من منطق النظام ذاته. وعليه، فإن تجاوز ظاهرة الانقلابات في موريتانيا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تعزيز المؤسسات، وترسيخ الشرعية الديمقراطية، وإعادة تحديد موقع المؤسسة العسكرية داخل المجال السياسي، بما يضمن الفصل بين السلطة والقوة، ويحول دون تحول العنف إلى وسيلة دائمة لإعادة تشكيل الحكم.
——-
محمد الأمين الخليفه – باحث في علم الاجتماع
قائمة المراجع
N’Diaye, B. The Institutionalization of Military Supremacy in Mauritania.
Girod, D. & Walters, M. Elite-led Democratization in Mauritania.
Boucek, C. Mauritania’s Coup (Carnegie Endowment).
Petry, C. The Cambridge History of Egypt.
Amitai, R. & Conermann, S. The Mamluk Sultanate.
ماكس فيبر – Economy and Society
بيير بورديو – Sur l’État
Samuel Huntington – Political Order in Changing Societies