
كتب د. عاطف معتمد
في يناير من عام 2001 ظهر أول مقال يحمل اسمي في الصحافة العربية. كنت قد عدت للتو من بعثة الدكتوراه في روسيا التي كانت تشهد أحداثا جساما منذ سقوط الشيوعية والحرب الدامية في الشيشان.
قدمت أول مقال إلى صحيفة مصرية عريقة، لم يتم نشر المقال على مدار أسابيع، فظننت أنني لا أجيد الكتابة، ثم فجأة ظهر المقال بعد شهر وعليه اسم كاتبة أخرى من داخل المؤسسة مع إعادة تدوير معلوماته بحيث يصعب تقديم شكوى ضدهم.
أصبت بإحباط شديد، فأرسلت إلى المجلات والصحف العربية الورقية والإليكترونية.
سرعان ما تبدد الإحباط وتوالت المقالات بترحيب ونجاح في كل من مجلة العربي الكويتية، وموقع إسلام أونلاين والجزيرة نت وصحيفة الحياة اللندنية واتسعت الدائرة لتشمل مطبوعات عربية عديدة.
على مدار 24 عاما تعلمت عدة دروس من هذه التجربة، اكتبها هنا لعلها تفيد بعض الشباب من ذوي التخصص الأكاديمي الراغبين في الكتابة الصحفية:
🔘الإمساك دوما بقاعدة معلوماتية صلبة للمقال، تستند إلى مراجع ومعلومات وحقائق، مع صياغتها في غلاف ثقافي شفاف قابل للفهم من دون تعقيد، وهذه طريقة عتيدة في الفكر المصري الحديث، ولدينا عشرات الأسماء التي فعلت ذلك بنجاح، وقد لا يعرف البعض أن كتاب شخصية مصر لجمال حمدان – فيما عدا الجزء الأول – مؤلف من مئات المقالات نصف الأكاديمية – نصف الصحفية.
🔘 استهلال جذاب وقور، أي فيه قدر محدود من فتح الشهية دون خداع القارئ، لو فقد القارئ ثقته في الكاتب مرة ..ربما لا يعود إليه مجددا.
🔘وضع نسخة المقال الذي أرسلته للنشر جنبا إلى جنب مع المقال الذي نشر بالفعل، لو أن هناك تصويبات لغوية وإملائية آخذ بها سريعا ولا أكررها في المقال المقبل، لو أن هناك تبديلا في بعض المفردات الأكاديمية لصالح مفردات أسهل للقارئ العام فإنني أرحب بها ما دمت مقتنعا بأن المعنى لم يتغير.
🔘 مقارنة مستوى المقال الذي يحمل اسمي مع الأسماء الأخرى في نفس الصحيفة أو المجلة أو الموقع الإليكتروني، والهدف هنا هو التعلم من المتفوقين، وتجنب الأخطاء التي يقع فيها غيرهم.
🔘 الاحتفاظ دوما بهوية التخصص، لقد رأيت زملاء يكتبون عن الحرب في العراق ثم في الأسبوع التالي يكتبون عن كأس العالم. كنت أذكر نفسي دوما أنني أنتمي لمهنة وتخصص واسع المدى، صحيح أنني احب التنويع لكن عندي دوما نقطة انطلاق وعندي دوما محطة وصول: “علم المكان” الذي نسميه “جغرافيا”.
🔘التوقف عن القراءة والترجمة والسفر يعني توقفا عن الكتابة، لا يمكن أن يكتب المرء مقالا نصف أكاديمي من وحي الخيال والإبداع الأدبي، لابد دوما من قراءات متجددة وترجمات وارتحال.
🔘في الكتابة للصحافة مهددات شتى، أخطرها أن ينقرض القاموس اللغوي للباحث فينكمش إلى الحد الأدنى من عدد الكلمات التي تناسب القارئ العام ، ولذلك لابد من فترات فاصلة للصمت التام والابتعاد عن الكتابة للصحافة والإعلام، يستعيد فيها المرء قاموسه ومفرداته ومصطلحاته العلمية الأكثر دقة.
🔘 في الكتابة للصحافة والإعلام تهديد للوزن العلمي وقد تعرقل مسيرة الباحث، ولذلك جين يسألني أحد الشباب من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة عن رغبته في الكتابة للصحافة أخبره أن الله أعانني على تحصيل الدرجات العلمية (من ماجستير إلى بروفيسور) في الموعد المخصص لكل درجة، وبالتالي إذا كان هناك مفاضلة بين الكتابة للصحافة والدرجة العلمية فكفة الأخيرة هي التي يجب أن ترجح دون نزاع أو جدال أو منافسة.
🔘الكتابة للصحافة فيها فائدة مادية – في الماضي – حين كانت تجلب قدرا من العائد المالي يساعد على اكتساب الرزق الحلال، وفيها منفعة نفسية – في الماضي والحاضر – وهي التفاعل مع الناس والاستماع إلى النقد الإيجابي والسلبي، أي أنها تجعلك في كل مرة تبدأ يوما جديدا لا يشبه الأمس.
————————————————————
- د. عاطف معتمد – أكاديمي مصري ،متخصص في الجغرافيا وباحث في الشأن الروسي.