قبس – خاص – نواكشوط
في أديس أبابا، حيث تضج قاعات القمم الإفريقية بالأصوات الرصينة، والخطابات المحسوبة بدقة بروتوكولية، انطلقت زغرودة كسرت قواعد الصمت. لم يكن الأمر عادياً، فالتي زغردت ليست سوى سفيرة موريتانيا لدى الاتحاد الإفريقي، خديجة أمبارك فال، ولم يكن الموقف مجرد لقاء اجتماعي، بل كان حفل تسليم رئاسة الاتحاد من رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الرئيس الأنغولي جواو لورينسيو، لحظة دبلوماسية مهيبة، يُفترض أن تتلون بألوان البرود الدبلوماسي لا الحماسة الشعبية.
اللحظة التي فاجأت الجميع

حين أنهى الرئيس غزواني كلمته، وبدأ التصفيق يملأ القاعة، انطلقت زغرودة السفيرة، مدويةً في أروقة الاتحاد الإفريقي، لتُثير جدلاً امتد من أديس أبابا إلى نواكشوط، ومن شاشات التلفزة إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
كانت لحظة تحمس، كما بررها البعض، وانفلاتاً عن المألوف، كما رآها آخرون. لكن، في المحصلة، لم يكن ممكناً تجاهلها.
الحسن لبات، الصحفي الموريتاني، علّق بطريقته الساخرة قائلاً: “خرجتُ عن التغطية لساعات، وحين عدتُ، وجدتُ صور السفيرة تملأ الفضاء الافتراضي، فتوجستُ أن تكون قد ارتكبت جرماً لا يُغتفر، لكنني اكتشفتُ أن الأمر مجرد زغرودة بعد خطاب رئيس الجمهورية! لو كان المقام يسمح، لأطلق أحد الحراس رصاصات في الهواء احتفالاً!”
لكن الزغرودة لم تكن موريتانية خالصة، فقد سبقتها زغاريد جزائرية أخرى، عندما فازت المرشحة الجزائرية سلمى مليكة حدادي بمنصب نائب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، متفوقة على المرشحة المغربية. وكأن الزغاريد أصبحت سلاحاً انتخابياً في القارة السمراء.

صراع القراءات
ردود الفعل على زغرودة السفيرة جاءت متباينة. فريق رأى فيها تعبيراً صادقاً عن الفخر الوطني، بينما اعتبرها آخرون خروجاً فجاً عن الأعراف الدبلوماسية.
محمد محمود محمد أحمد، المكلف بمهمة في وزارة الثقافة، دافع عن السفيرة قائلاً: “زغردت لأنها عاشت تجربة نادرة كأول امرأة موريتانية تقود بعثة البلاد في الاتحاد الإفريقي، زغردت لأنها رأت نجاح وطنها، ورأت إشادة الجميع بأداء رئيسها. إنها زغرودة صادقة من الأعماق.”
أما صفحة “الدهماء ريم”، فاختارت طرحاً مختلفاً، حيث كتبت بلهجة تجمع بين الطرافة والنقد الجاد: “الديبلوماسية فن مكتمل المقاس، تُقاس بالابتسامة الخفيفة أو الضحكة نصف الصامتة، بالصوت اللبق والحركات المرسومة، وليس بالزغاريد. لكن، في النهاية، ليتركوكِ بسلام، زغردي ما ظل في رئتيك بقية نفس!”

زغرودة أم سقوط للدبلوماسية؟
على الطرف الآخر، رأى منتقدو السفيرة أن ما حدث لم يكن مجرد انفعال عفوي، بل مؤشراً على تمييع الدبلوماسية الموريتانية.
الصحفي الموريتاني المقيم في بريطانيا، عبد الله سيديا، قال إن “هذه الزغاريد في وجه رئيس الجمهورية في أديس أبابا خير دليل على سقوط هيبة الدولة، وتمييع كامل لصورة موريتانيا داخلياً وخارجياً.”
أما الصحفي الداه يعقوب، المقيم في الولايات المتحدة، فذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن ما حدث يكشف عن اختلالات عميقة في الدبلوماسية الموريتانية، حيث يتم تهميش خريجي المدرسة الوطنية للإدارة لصالح التعيينات السياسية، مما يؤدي إلى مواقف محرجة في المحافل الدولية.

الزغرودة التي لا تُنسى
في عالم الدبلوماسية، حيث تُقاس المواقف بالسانتيم ، وتُوزن الكلمات بالقيراط، جاءت زغرودة السفيرة الموريتانية كحجر ألقي في ماء راكد.
وبين من رأى فيها لحظة صادقة تنتمي لروح إفريقيا وتقاليدها، ومن اعتبرها خروجًا غير محسوب عن تقاليد العمل الدبلوماسي، يبقى الثابت أن صوت خديجة أمبارك فال لن يكون مجرد صدى عابر في أروقة الاتحاد الإفريقي.
ربما كانت زغرودتها لحظة شخصية، وربما كانت تعبيرًا عن فرحة وطنية، لكنها في النهاية دخلت أرشيف القمم الإفريقية كصوت خارج عن المألوف، لا يمكن تجاوزه، ولا يمكن نسيانه.