
قبس + شبكات التواصل
كتبتُ مقالات عن الأمير المجاهد سيد أحمد ولد أحمد عيدة، وحرصتُ فيها على تقديم كل ما هو جديد عن الرجل، في محاولة لإنصاف تاريخه وإبراز دوره؛ إذ ظلت الكتابات عن إمارة آدرار محدودة لأسباب عدة، من أهمها الاستعمار وأذياله، رغم أن آدرار كانت مهد المقاومة الوطنية.
ولأن الأمير لم يكن فارسًا مجاهدًا فحسب، بل كان أيضًا أديبًا، جميل الشعر، محكم السبك، رأيتُ أن أفسح المجال لأهل الأدب، وفي مقدمتهم الأستاذ الدكتور محمد ولد احظانا، الرئيس السابق لاتحاد الكتاب والأدباء الموريتانيين، والرئيس الحالي لمنتدى الفائزين بجائزة شنقيط، ليتناول هذه الناحية الأدبية من شخصية الأمير.
المرابط ولد محمد لخديم
نص المقال:
من روائع لغن الحساني
أضواء على طلعة المجاهد سيد أحمد ولد أحمد ولد عيده. شهيد وديان الخروب “مركوب الدهر”
لعل الشعر الحساني من أهم المظاهر الثقافية التي عكست روح الناطقين باالحسانية وألصق تجلياته بالوجدان.
وقد استوقفتني طلعة “جمل الدهر ” للشهيد الأمير المجاهد سيد أحمد ولد أحمد ولد عيده، أمير آدرار.
استوقفتني هذه الطللعة وكافها في أربع محطات:
المحطة الدلالية الأولى: الفنية
تمثلت إجمالا في جودة السبك العفوي الغنائي الشعري ذي الطلاوة الراقية والانسياب الموسيقي الداخلي، وترابط المعاني، والتحكم في تداخلها الفني لتشكل لوحة متحركة في الزمن السيار. مع حيوية الحوار الداخلي: المحكم.
المحطة الدلالية الثانية: محطة التمثل الواعي لوجود الإنسان في الزمن ليبني جسر تاريخه وتجربته بين حافتي الاختيار الحر والطموح للانطلاق، وبين الاضطرار القدري الساحق
المحطة الدلالية الثالثة: اختبار رمزية الجهات الأربع في تجربة الإنسان الصحراوي الذي رأى في الجمل محررا من المكان، ظنه فعالا، فانتشى به رفيقا في التخلص من جمود المكان، لكن المكان والزمن ينتصران في نهاية المطاف على أقوى وسيلة ممكنة للتخلص منهما وهي الحركة في المكان والتحرر المؤفت الدائب منه. انتصار الزمان والمكان (الدهر) على الإنسان في أبهى تجليات الوعي الصادق به.
المحطة الرابعة: النص/ السيرة الذاتية المكثفة:
لقد استطاع سيد أحمد ولد أحمد ولد عيدة أن يكتب سيرته الذاتية الحافلة بالتحديات والآمال، والخيبات والرنجاح، والرجاء والطموح الذي لا يخبو إلا ليشتعل. رفضا لواقع لا يرضى بالعيش فيه مستكينا.
لقد أناخ الدهر المخاطب جمله للشاعر فركبه شمالا إلى تيرس والساقيه الحمراء، وقضى تحربته هناك مع أهل الشيخ ماء العينين حتى تشرب من روح المقاومة التي كان مهيأ لها نفسيا بحكم ثورته الداخلية الذاتية.. وركبه مجاهد ضد الاستعمار مشرقا حتى وصل به إلى تگانت والحوض وأناخه حيث أسره الفرنسيون في معركة تيشيت وهو شاب حدث. واتجه به مكرها جنوبا حيث:
اتشايير انخل هذا الواد* والل زاد الدهله لعاد* ماه واد إيزيد التفكاد* يسو گد ال خالگ فيه* أوهذي لرياح ال تتراد* زاد اعليه امن إغليه* غير ال فم ابلد معهود ماهو ذ لبلد عالم بيه إيل ما كره فيه ايعود* ماهو له بع ايغلية.
ثم يعود به نفس جمل الدهر شمالا وقد مل وتعب، وهو يبرك ويقوم إرهاقا. إنها حالة نفسية داخلية للشاعر لن يفرجها إلا الأمل الذي انفتحت أشرعته فحمد الله على ذلك:
حامد لله الي ابعاد * اندر اوزين اديار* وافرغ لمحار او عاد زاد* يور منب باحجار.
لينعم في استراحة محارب أرهق راحلته ونفسه وهو: يبوح لنفسه الأبية بتسليم عميق::
..نظر كنوال الملكُ* لله الواحد القهار.
اقرؤوا معي طلعة [مركوب الدهر] التأملية على هذه الأضواء:
اجمل بركتول معلوم*
امن اجمالك يالدهر اليوم*
فت اركبت اعليه المهدوم*
امريت اعليه امگاف تل*
شرگت اعليه ألا متهوم*
كنت ان فوگُ نستگبل*
وارجع بي يبرك وايگوم*
مل أ لحگو ذ الدهر ايمل**
جملك ذاك اليل بركت*
ل دهر اعليه ألا نعمل*
وافتر بي ذالدهر او عدت* فاصل فانر يالدهر اجمل.
وقد عاد إلى رحل جمله واتجه شمالا من جديد حيث استشهد في وديان الخروب 1932م ليترجل هذا المجاهد المبدع عن ظهر جمل الدهر ويتسنم جمل الخلود الذي لا يكل ولا يمل إلى الأبد.
شرح مفردات:
- معلوم: قوي، ذلول خدوم.
-المهدوم: اسم مفعول مقابل لوزن الفاعل هدام. المستعمل كثيرا في الحسانية للمأخذ والمدح معا.