
قبس | تقرير سياسي
لم تعد الدعوات المطالبة بولاية رئاسية ثالثة للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني مجرد أحاديث متداولة في المجالس العامة و رجل الشارع أو مطالب يرفعها بعض أنصاره في المناسبات السياسية؛ فقد انتقلت تدريجيًا إلى تصريحات شخصيات حزبية ومنتخبين محليين، ثم وصلت إلى أعضاء في الحكومة، قبل أن يضطر الناطق الرسمي باسمها إلى توضيح موقف السلطة التنفيذية من الجدل الدستوري الذي أثارته هذه المطالبات.
وبينما يقدّم مؤيدو استمرار الرئيس في الحكم حججًا تتعلق بالاستقرار ومواصلة المشاريع التنموية، ترى المعارضة أن فتح الباب أمام مأمورية ثالثة يضع مبدأ التداول السلمي على السلطة أمام اختبار سياسي ودستوري جديد، في وقت تستعد فيه البلاد لحوار وطني لم تتجاوز التحضيرات له خلافات الأطراف السياسية.
من حديث الشارع إلى حملة سياسية
خلال الأشهر الماضية، أخذت الدعوات المطالبة بترشح ولد الغزواني لولاية ثالثة تتسع في أوساط مناصريه، قبل أن تظهر بصورة أكثر تنظيمًا في أنشطة ولقاءات سياسية بعدد من الولايات، من بينها لعصابة(مسقط رأس الرئيس)، حيث جرى الترويج لاستمرار الرئيس باعتباره خيارًا يضمن مواصلة المشاريع والبرامج التي أطلقتها حكومته.
ومع اتساع النقاش، لم تعد المسألة محصورة في آراء أفراد أو مجموعات شعبية؛ إذ انخرط فيها منتخبون محليون وشخصيات من الأغلبية الرئاسية، وبدأت وسائل إعلام موريتانية ودولية ترصد انتقال المطالبة من المستوى الاجتماعي إلى مستوى المبادرات السياسية المنظمة.
وفي تقرير نشرته في 19 سبتمبر 2026، أشارت صحيفة «لو360 إفريقيا» الفرنسية إلى أن حملة الدعوة إلى ولاية ثالثة باتت تشمل مسؤولين حزبيين ونوابًا ومسؤولين إداريين وشخصيات حكومية، في مقابل تحرك أحزاب معارضة لتنسيق موقف رافض لأي تعديل دستوري يتيح للرئيس الترشح مجددًا.
كما رصدت إذاعة فرنسا الدولية، في تقرير نشرته منصة «أفريكا نيوز» في 16 سبتمبر، دعوات أطلقها منتخبون محليون خلال الأسابيع السابقة، مستندين إلى ما يعتبرونه حصيلة إيجابية للرئيس، بينما سعت المعارضة إلى بلورة موقف مشترك من هذه التحركات.
وبذلك، انتقلت القضية من سؤال يتداوله الشارع بشأن مستقبل الرئاسة بعد انتهاء المأمورية الحالية إلى موضوع يتصل مباشرة بموازين القوى داخل الأغلبية، وبطبيعة الحوار السياسي المرتقب، وبمدى احترام القواعد الدستورية المنظمة لتداول السلطة.
أصوات من داخل الحكومة
شكّل دخول شخصيات حكومية على خط النقاش تطورًا لافتًا في مسار المطالبة بالمأمورية الثالثة، خصوصًا أن الأمر لم يعد يتعلق بمواقف تصدر عن مناصرين خارج الجهاز التنفيذي، بل بتصريحات مسؤولين يشغلون مواقع رسمية.
وفي 18 أكتوبر 2026، دافعت وزيرة التجارة والسياحة زينب بنت أحمدناه، في تدوينة نشرتها على صفحتها في فيسبوك، عن استمرار ولد الغزواني في الحكم لولاية ثالثة، ووصفت ذلك بأنه «ضرورة وطنية»، مستندة إلى ما اعتبرته حاجة البلاد إلى الخبرة والاستمرارية في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.
ومع ذلك، ربطت الوزيرة هذا الخيار باحترام الدستور والمؤسسات، وبإرادة شعبية حرة ومسار قانوني واضح، وفق ما نقلته منصة «مدار».
وتكشف هذه الصيغة عن محاولة للجمع بين الدعوة السياسية إلى استمرار الرئيس وبين التأكيد على ضرورة المرور عبر المؤسسات والإجراءات القانونية، لكنها لا تجيب وحدها عن الإشكال المركزي: هل يسمح الدستور الموريتاني أصلًا بتعديل أحكام تحديد المأموريات بما يتيح ولاية ثالثة؟
وفي هذا السياق، نقلت وسائل إعلام فرنسية وإفريقية عن شخصيات من الأغلبية مواقف متفاوتة؛ فبين من يرى أن الحديث عن مرحلة ما بعد 2029 سابق لأوانه، ومن يدافع عن استمرار الرئيس، تتباين تقديرات أنصار السلطة بشأن توقيت طرح القضية وطبيعة المسار الذي يمكن أن تسلكه.
الناطق باسم الحكومة: الدستور والشعب
بلغ النقاش مستوى أكثر رسمية يوم 22 أكتوبر 2026، عندما تناول وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الناطق باسم الحكومة محمد ولد ببانه، مسألة التعديلات الدستورية خلال المؤتمر الصحفي المخصص للتعليق على نتائج اجتماع مجلس الوزراء.
وأكد ولد ببانه أن الدستور يحدد بوضوح إجراءات تعديله، مشددًا على أن رئيس الجمهورية والحكومة لن يخرقا أحكامه، وأن مسألة التعديل تعود إلى الشعب الموريتاني باعتباره صاحب السيادة.
وقال إن الاختلاف في الآراء بشأن التعديلات الدستورية أمر مشروع، وإن الحكومة لا تفرض موقفًا بعينه، بل تضطلع بمهامها في متابعة العمل السياسي والإداري والسهر على تطبيق القوانين واحترام المؤسسات الدستورية.
وأشار الناطق الرسمي إلى أن الساحة الوطنية شهدت نقاشًا سياسيًا بشأن مراجعة أدوار بعض المؤسسات الدستورية، في سياق الحديث عن الاستقرار واستمرارية التنمية، قبل أن يصل النقاش إلى مقترحات تتعلق بمؤسسة رئاسة الجمهورية.
وقد نشرت إذاعة موريتانيا التصريحات في اليوم نفسه، كما نقلتها صحيفة «الشرق الأوسط»، التي وضعت الموقف الحكومي في سياق تصاعد الدعوات داخل الأغلبية للمطالبة بولاية ثالثة.
وعلى الرغم من أن التصريح شدد على احترام الدستور ومرجعية الشعب، فإنه لم يتضمن إعلانًا صريحًا بتأييد المأمورية الثالثة أو رفضها بوصفها خيارًا سياسيًا. وبذلك، ركز الموقف الرسمي على شرعية الإجراءات الدستورية وحدود مسؤولية الحكومة، بدل تبني الدعوات المطالبة باستمرار الرئيس في الحكم.
المعارضة ترفع سقف المواجهة
في المقابل، لم تتعامل المعارضة مع المطالبات باعتبارها مجرد نقاش مبكر حول الانتخابات المقبلة، بل رأت فيها قضية تتصل بمبدأ التداول السلمي على السلطة وبالضمانات الدستورية التي تنظم المأموريات الرئاسية.
وفي 21 أكتوبر، نظم حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» وقفات احتجاجية في مناطق نواكشوط الثلاث، ضمن حملة رفع خلالها شعار «اللاءات الثلاث»: لا للمأمورية الثالثة، ولا للتضييق على الحريات، ولا للفساد.
ووفق تقرير لإذاعة فرنسا الدولية نشر في اليوم التالي، اعتبر قادة في الحزب أن البلاد تحتاج إلى معالجة القضايا المعيشية والخدمات الأساسية وارتفاع الأسعار، بدل الانشغال بإعادة فتح النقاش حول عدد المأموريات الرئاسية.
وسبق أن سعت مجموعة تضم أكثر من خمسة عشر حزبًا معارضًا إلى تنسيق موقف مشترك من الدعوات المطالبة بولاية ثالثة، محذرة من أن إثارة المسألة قد تؤثر في الثقة بين الأطراف، وتعرقل التحضير للحوار الوطني.
ويستند هذا الرفض إلى قراءة دستورية تعتبر أن تحديد عدد المأموريات ليس مجرد حكم عادي يمكن تعديله بإجراء سياسي، بل يرتبط بأحكام محصنة في الدستور.
المأمورية الثالثة والاختبار الدستوري
ينص الدستور الموريتاني في مادته السادسة والعشرين على انتخاب رئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات، فيما تنص المادة الثامنة والعشرون على أنه قابل لإعادة الانتخاب مرة واحدة فقط.
أما المادة التاسعة والتسعون، فتتضمن قيودًا على مراجعة أحكام دستورية معينة، من بينها الأحكام المرتبطة بتجديد الولاية الرئاسية مرة واحدة. وتستند المعارضة إلى هذه المادة لتأكيد أن فتح الطريق أمام مأمورية ثالثة لا يقتصر على تعديل دستوري عادي، بل يصطدم بقيود وضعت لحماية قواعد النظام الدستوري.
في المقابل، يطرح بعض مؤيدي استمرار الرئيس المسألة من زاوية الإرادة الشعبية وإمكان اللجوء إلى المسارات القانونية والمؤسساتية، من دون أن يعني ذلك حسم الخلاف بشأن مدى دستورية التعديل المقترح.
وهنا تتجاوز القضية حدود التنافس بين الموالاة والمعارضة، لتطرح سؤالًا قانونيًا وسياسيًا حول العلاقة بين الإرادة الشعبية والقيود الدستورية التي تنظم ممارسة السلطة وتداولها.
الحوار الوطني في قلب الجدل
تأتي هذه التطورات في مرحلة تستعد فيها موريتانيا لإطلاق حوار وطني طال التحضير له، وسط خلافات بشأن جدول أعماله والموضوعات التي ينبغي أن يتناولها.
وتثير الدعوات إلى المأمورية الثالثة إشكالًا إضافيًا أمام الحوار، خصوصًا أن المعارضة ترى أن إعادة طرح الموضوع تتعارض مع تفاهمات سابقة بشأن عدم تخصيص بند مستقل للمأمورية الثالثة ضمن النقاشات.
وفي المقابل، تتمسك أطراف من الأغلبية بضرورة حوار يشمل مختلف القضايا السياسية والمؤسسية، بينما تدعو أطراف أخرى إلى عدم استبعاد النقاش بشأن الإصلاحات الدستورية.
وقد يؤدي استمرار الخلاف إلى تعقيد التوافق على جدول الأعمال، لا سيما إذا اعتبرت المعارضة أن بعض المبادرات المطالبة بولاية ثالثة تمثل محاولة لفرض واقع سياسي قبل بدء الحوار.
ومع ذلك، لا تكفي التصريحات والمبادرات المعلنة وحدها للجزم بوجود قرار رسمي بفتح ملف المأمورية الثالثة، أو بإمكان الوصول إلى توافق بشأنها.
بين الاستمرارية واحترام الدستور
تكشف متابعة مسار القضية عن انتقال واضح في طبيعة النقاش: من مطالبات شعبية متفرقة، إلى تحركات يقودها منتخبون وشخصيات حزبية، ثم إلى مواقف صريحة من مسؤولين حكوميين، وصولًا إلى تصريح الناطق باسم الحكومة بشأن مرجعية الدستور وسيادة الشعب.
لكن هذا الانتقال لا يعني أن المطالبة أصبحت قرارًا رسميًا، كما لا يعني أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أعلن ترشحه لولاية ثالثة. فالمواقف المنشورة حتى 22 أكتوبر 2026 لا تثبت صدور إعلان رئاسي بهذا المعنى، ولا تثبت الشروع رسميًا في إجراء دستوري يتيح له الترشح مجددًا.
وفي المحصلة، باتت المأمورية الثالثة أحد أبرز الملفات التي تختبر العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، وتضع الحوار الوطني أمام سؤال جوهري: هل يظل النقاش في حدود الدعوات السياسية، أم يتحول إلى مسار مؤسسي لإعادة النظر في قواعد المأموريات؟
الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على المواقف الرسمية المقبلة، وعلى طبيعة التوافق الذي يمكن أن تتوصل إليه القوى السياسية، وعلى مدى احترام الإجراءات والضمانات الدستورية القائمة.
وحتى تتضح هذه العناصر، تبقى الدعوة إلى مأمورية ثالثة مطلبًا تتبناه شخصيات وأطراف سياسية، في مواجهة رفض معارض معلن، بينما تؤكد الحكومة أن الدستور هو المرجعية وأن الشعب صاحب السيادة في أي مسار لتعديله.