قبس ـ خاص .
لطالما كانت العاصمة الموريتانية نواكشوط في قلب الجدل الدائر في المجال العام الموريتاني؛ حول البنية التحتية الحضرية، خصوصًا في ما يتعلق بالصرف الصحي. إذ يقفز النقاش القديم الجديد حول مستقبل العاصمة في ظل انعدام صرف صحي عصري لمدينة تمتص ترتبها ملايين الأمتار المكعبة من مياه الأمطار والمجاري وتسربات المياه المهدورة من أنابيب التوصيل المنزلي.
كان هناك صرف صحي؟
في الخامس من مارس 1957؛ وضع الرئيس الفرنسي حينها شارل ديغول الحجر الأساس لقرية صغيرة (200-300 نسمة) وسط صحراء موحشة تفتقر لمياه جوفية صالحة للشرب، وتعاني نقصًا حادًا في مياه الأمطار.

ومنذ ذلك التاريخ؛ عمل الرئيس الراحل المختار داده إلي تحويل نواكشوط إلى أهم مدينة في موريتانيا، وبالفعل قامت حكومة الاستقلال بالتفكير في صرف صحي لنواكشوط؛ وهو ماتم بالفعل بعد ذلك؛ وإن على مساحة حضرية محدودة.
عصفت سنوات الجفاف التي ضربت البلاد في نهاية الستينات بالتخطيط الأولي للعاصمة؛ ومع نهاية حرب الصحراء بعيد انقلاب 10 يوليو 1978؛ كانت تربة نواكشوط تنوء بحمل مخلفات الأمطار ومياه المجاري .
ومع بلوغ سكانها عام 2013 مليون نسمة؛ تحولت نواكشوط إلي مدينة تعوم على ملايين الأمتار المكعبة من المياه؛ وظهرت بوادر خطيرة على قرب كارثة بيئية وصحية تُهدد سكان عاصمة البلد .
“عزيز” محاولات الحل
تحولت محاولات الأنظمة المتعاقبة على السلطة في موريتانيا لإيجاد حل جذري لمعضلة صرف صحي في العاصمة إلي ورقة سياسية تُرفع مع كل استحقاقات انتخابية .
وفي سنوات مأموريته الثانية أعلنت حكومة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز عن توقيع اتفاقية مع جمهورية الصين الشعبية يتم بموجبها إنشاء منظومة لتصريف المياه الأمطار في العاصمة نواكشوط.

وبالفعل تم إنشاء شبكات شفط لمياه الأمطار في عدد من مقاطعات نواكشوط؛ أبرزها لكصر وتفرغ زينة والميناء. المشروع، الذي بلغت تكلفته انذاك حوالي 15 مليار أوقية، تم تنفيذه أيضًا بالتعاون مع شركة صينية (CTE) بمدة إنجاز قدرت بـ36 شهرًا.
وتُظهر تفاصيل المشروع التي أطلعت عليها ” قبس ” بناء شبكات لتجميع المياه بطول 34 كلم ومحطات ضخ بطاقة إجمالية لامتصاص 225,000 متر مكعب يوميًا.
ورغم الزخم الإعلامي المصاحب له، فقد بقيت التساؤلات حول تأثيره العملي على أرض الواقع قائمة حتى الآن .
إلا أن سيدي ولد مولد المالك ؛ وهو أحد سكان سوكوجيم PS؛ يعتبر أن ذلك المشروع قد مكنه هو ومئات الأسر من العودة إلي بيوتهم في حيهم الذي هجروه قبل فترة .
غزواني .. بين الاستثمار والتطلعات
قبل أسبوعين تقريبا؛ أعلنت وزيرة المياه والصرف الصحي، آمال بنت مولود؛ خلال النقطة الاسبوعية للحكومة، إن الأخيرة في صدد “إطلاق أضخم مشروع للصرف الصحي في تاريخ العاصمة، بتكلفة قدرها 177.6 مليون دولار، ممول بالكامل من ميزانية الدولة”.
المشروع، الذي تم منحه لشركة CMEC الصينية بعد مناقصة دولية مفتوحة، حسب الوزيرة يستهدف تحسين ظروف العيش لمئات الآلاف من سكان المدينة، مع التركيز على الشفافية والجودة في التنفيذ.

وذكرت منت مولود أن المشروع يُعد “نقلة نوعية في مواجهة التحديات البيئية والصحية التي تُثقل كاهل المدينة منذ عقود”.
وأضافت الوزيرة أن “مدة المشروع المحددة بـ45 شهرًا، تستهدف بناء «شبكة متكاملة لتصريف المياه ومكافحة الفيضانات الموسمية التي طالما عرقلت الحياة اليومية لسكان المنكوبة”.
وقال المستشار الفني للمكتب الوطني للصرف الصحي، سيد أحمد ولد باب لــ ” قبس ” بأن معايير الشفافية والجودة باتت ضرورة لا مفر منها لضمان نجاح المشروع الحالي.
وأضاف ولد باب أن ” نفس الآليات الفنية ستُعتمد، مع إشراف استشاري صارم لضمان التزام الشركة المنفذة بالمعايير الدولية”.
وذكر المستشار بأن “الأوامر أعطيت، ليتم اختيار استشاري مراقب لتنفذ الشركة كافة البنود المتفق عليها في الصفقة”.
.
تحديات حقيقية
يتحدث عدد من الخبراء في مجال الإنشاءات العمومية وخبراء البيئة عن تحديات قد تكون عائقا في وجه تنفيذ أي مشروع شامل للصرف الصحي في العاصمة.
ويذكر مولاي العربي الاستشاري الخاص في مجال البيئة الحضرية ” أن تربة نواكشوط المُشبعة بمياه الأمطار ومجاري المنازل قد تحول دون تحقيق ماتصبو إليه الحكومة في مشروعها الصرف الصحي الجديد ” .
ويضيف مولاي” يطرح قرب البحر وسياسات التعمير التي تفتقد لقواعد البناء معضلا حقيقيا ينضاف إلي ما سبق “.
يقول المهندس المصطفى حبيب الله، في حديث مع “قبس ” إن “التحدي الأول للمشروع؛ يتعلق بالتمويل، فقد سبق تم التوقيع سنة 2010 مع شركة صينية على اتفاقية لتعبئة الموارد المالية لتنفيذ أشغال نظام التصريف المشترك الذي يجمع ما بين نظام الصرف الصحي ونظام صرف مياه الأمطار بقيمة 1.361 مليار یوان (حوالي 209 مليون دولار)
ويضيف حبيب الله؛ “إلا أن الشركة لم تتمكن من تعبئة التمويل الضروري في الآجال المحددة حسب تصريحات رسمية، حينها”
ويوضح المهندس “أثبتت الدراسات حينها أن مشروع الصرف الصحي يتطلب تعبئة 450 مليون دولار، وهذا المبلغ الكبير الذي يشكل حوالي 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي الموريتاني، وحوالي 10.4% من إجمالي الدين الخارجي الموريتاني لسنة 2022”.
وبحسب حبيب الله، “يتمثل التحدي الثاني في اتساع مساحة العاصمة وسوء تخطيط جل الأحياء السكنية ما يتطلب بناء نظام صرف صحي للمدينة يلبي احتياجات ساكنتها”
سكان نواكشوط يترقبون!!
تعاني العاصمة نواكشوط؛ من مشكلات بنيوية معقدة، تجعلها عرضة لأزمات بيئية وصحية متكررة، خصوصًا خلال موسم الأمطار. ومع أن المشاريع المعلنة؛ تبدو واعدة على الورق، فإن التحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ الميداني. تقول منتخبة محلية في إحدى بلديات نواكشوط؛ فضلت عدم الكشف عن إسمها.
ووفق الباحث في مجال البيئة سيدي محمد الطالب أعمر، فإن المشروع؛ “يُشكل المشروع نقلة استراتيجية وليس مجرد استجابة لحاجة ملحّة. ويضيف الباحث أن ” أهمية هذا المشروع تتجاوز البعد الخدمي لتطال حماية البيئة وتعزيز الصحة العامة”.
ويؤكد الطالب أعمر أن “تحسين جودة المياه الجوفية والسطحية قد يُعيد تشكيل علاقة المدينة بمحيطها البيئي”.

وإذا كان مشروع عزيز لم يُحدث تحولًا جذريًا، رغم الإشادات الرسمية، فإن مشروع الغزواني سيواجه اختبارات مشابهة؛ من قبيل إنهاء معاناة سكان نواكشوط مع مواسم الخريف الماطرة ومياه المجاري ومشاكل مياه التوصيلات المنزلية، أم أن الوعود ستظل جزءًا من رواية سياسية تتكرر مع كل نظام حكم جديد.
وفي جوابه على سؤال ما إذا كان هذا المشروع الجديد سيسهم في مكافحة الفيضانات الموسمية بشكل مستدام؟
يجيب المستشار سيد احمد ولد باب، قائلا؛ إن “في التصميم الفني للمشروع هناك أنابيب ذات ثقوب تمكن من سحب المياه الجوفية السطحية”.
ويضيف المستشار المشروع “سيساهم في تخفيض منسوب البحيرة الجوفية, بغية تحسين امتصاصية التربة في المستقبل”