
كتب إبراهيم /أحمد /الشيخ سيديا
عند مناقشة قضايا النهضة والتنمية في السياقات التاريخية والاجتماعية، نجد أن هذه المفاهيم غالبًا ما تُتصوّر من خلال مرجعية نابعة من سياق تاريخي وحضاري واجتماعي غربي، تُفرض كإطار نظري عالمي. غير أن التجارب التنموية أثبتت مرارًا أن نجاح أي مشروع تنموي أو نهضوي يعتمد بشكل أساسي على انبثاقه من السياقات الثقافية والاجتماعية للمجتمع الذي يُطبق فيه. فالمفاهيم المستوردة، التي قد تبدو “عالمية” أو “كونية”، تواجه تحديات جوهرية عند تطبيقها في بيئات تختلف جذريًا عن تلك التي نشأت فيها.
وفي هذا السياق، يُشير مبروك المنصوري إلى أن كونية المفاهيم الغربية ليست سوى “وهم”، لأنها نابعة من مسار حضاري غربي صيغ لتلبية حاجات محددة. وقد استعاضت المقولات ما بعد الحداثوية عن مصطلح “كونية المفاهيم” بمفهوم “نسبية المفاهيم”(1)، مما يعكس إدراكًا متزايدًا بضرورة احترام خصوصيات المجتمعات المختلفة بدلاً من فرض نموذج عالمي يُفترض صلاحيته لكل زمان ومكان.
إن مشاريع النهضة في أوروبا الغربية استندت إلى تراكم تاريخي داخلي من التحولات الثقافية والاقتصادية، انعكاسًا لحاجات مجتمعية خاصة بتلك السياقات. أما في الدول التي تُصنّف ضمن العالم الثالث، ومن بينها موريتانيا، فقد كانت النهضة أو التنمية مشروعًا مفروضًا من الخارج. إذ تبنّت هذه الدول نماذج التحديث دون مراعاة خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، مما أدى إلى فجوات هيكلية عميقة بين الدولة والمجتمع. فالتبني الآلي للنماذج المستوردة حال دون تحقيق انسجام بين المشاريع التنموية والبُنى التقليدية القائمة. وظلت هذه البُنى تُقاوم محاولات التحديث التي تجاهلت خصائصها، مما أدى إلى تصادم مستمر بين النموذج المستورد والهياكل الاجتماعية المحلية.
وهنا يبرز تساؤل أساسي: هل يمكن تحقيق نهضة حقيقية دون التأسيس على خصوصيات المجتمع؟ أم أن المشاريع التي تتجاهل هذه الخصوصيات محكوم عليها بالفشل؟
شهدت موريتانيا في منتصف القرن العشرين تحولًا جذريًا في بنيتها السياسية والاجتماعية، تزامن مع دخولها في سياق تاريخي معقد فرضته القوى الاستعمارية الأوروبية. وقد كان تأسيس الدولة الحديثة أبرز ملامح هذا التحول، لكنه لم ينبع من تحولات داخلية تعكس تطورًا طبيعيًا للمجتمع الموريتاني، بل جاء كنتيجة مباشرة للضرورات الاستعمارية ذات الطابع الجيوسياسي والاقتصادي. وفي هذا الإطار، يشير بدي ولد أبنو إلى أن الدولة الموريتانية “وُلِدت كمعطى فوقي خارجي مفارق، أي كنموذج حدّي أو أوجي للدولة ما بعد الاستعمارية”(2).
ويمكن العودة إلى تحليلات دي شاسه بشأن مراحل الاستعمار الفرنسي لفهم مسار التأسيس السياسي في موريتانيا. ففي مرحلته الأولى، اعتمد الاستعمار الفرنسي على خطاب عسكري يروّج لسياسة “السلم المتبصر”(3)، وهو خطاب برر السيطرة الاستعمارية وغطى على استغلال الموارد والثروات المحلية. وخلال هذه الفترة، كان التفاعل مع الثقافة المحلية ضئيلًا، حيث ركزت الإدارة الاستعمارية على تعزيز الهيمنة العسكرية والسياسية. أما في المرحلة الثانية، وبعد مرور ثلاثين عامًا من الاحتلال، بدأ الاستعمار بتغيير خطابه نحو ما اعتُبر “تنمية” في المستعمرات (4)، من خلال سياسات لم تأخذ في الحسبان الاحتياجات الفعلية للمجتمعات المحلية. فقد ركزت على تحقيق التغيير الاقتصادي دون تحديث الهياكل الاجتماعية والثقافية بما يتناسب مع هذا التغيير، مما أسفر عن آثار سلبية واسعة النطاق.
وقد ركز الخطاب الاستعماري الجديد على تحويل المستعمرات إلى كيانات اقتصادية تخدم حاجات فرنسا، ما جعل موريتانيا تظهر كدولة “مواد خام”. وسيطرت فرنسا على الموارد الطبيعية دون أن تساهم في بناء مؤسسات تخدم المجتمع المحلي. وكما أشار بدي ولد أبنو، فإن تأسيس الدولة الحديثة جاء في سياق هيمنة الإدارة غير المباشرة، وهو نهج اعتمدته السلطات الفرنسية نتيجة رؤيتها للطبيعة الرعوية والترحالية للمجتمع الصحراوي (5).
ومع استقلالها، وجدت الدولة الموريتانية نفسها مفصولة عن السياقات الاجتماعية والثقافية المحلية، مما أثر على مسار تطورها. فبينما سعت الدولة إلى تبني التصنيع كأداة أساسية للتحول من الاعتماد على القطاع الرعوي والزراعي التقليدي إلى الاقتصاد الصناعي، أهملت التوجهات التنموية القطاعات التقليدية التي كانت تشكل العمود الفقري للاقتصاد الموريتاني، مثل الزراعة والرعي. وقد أدى هذا الإهمال إلى ركود هذه القطاعات وتدهورها تدريجيًا، بدلًا من استثمارها وتطويرها بما يعزز التكامل بينها وبين التصنيع. وفي المقابل، تم تطبيق نموذج صناعي غربي لا يتلاءم مع هذه الخصوصيات، مما عمّق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
ومن الواضح أن هذا التوجه نحو التصنيع، والذي اعتمدته معظم الدول حديثة العهد بالاستقلال كشرط لتحقيق النهضة التنموية، جسّد رؤية اختزالية تهدف إلى التحديث دون مراعاة للهويات الثقافية. وكما أوضح جلال أمين في كتابه “خرافة التقدم والتخلف”، فإن نظرية روستو في مراحل النمو الاقتصادي، التي كانت من أبرز نظريات التنمية في الخمسينيات والستينيات، افترضت انتقال الدول من مراحل “التخلف” إلى “التقدم”، بما في ذلك تحولها من حالة ثقافية متدنية إلى أخرى أرقى (6). وهذا ما يتماشى مع السياسات التنموية التي اتبعتها موريتانيا في اعتماد نموذج صناعي غربي دون مراعاة للخصوصيات الثقافية.
وقد ارتكزت المشاريع التنموية في موريتانيا بشكل رئيسي على الصناعات الثقيلة، مثل التعدين، مع اكتشاف الحديد والفوسفات في السبعينيات. ورغم أن التصنيع كان يُعتبر وسيلة لتحقيق التحديث، إلا أن هذه المشاريع لم تعكس هوية المجتمعات المحلية. إذ غالبًا ما أُديرت من قِبل شركات أجنبية أو نخب محلية، ما أدى إلى استبعاد المجتمعات التقليدية عن المشاركة الفعلية في عملية التنمية الاقتصادية.
وفي هذا السياق، يبرز تحليل مبروك المنصوري الذي يشير إلى أن الدول العربية، ومنها موريتانيا، تأثرت بنماذج حضارية غربية لم تتناسب مع سياقاتها المحلية. وقد أدى هذا إلى أزمة هوية بين التقليد والحداثة. ويوضح المنصوري أن “التثقيف التغريبي”(7) الذي فرضته القوى الاستعمارية لم يُفكك بشكل كافٍ من قِبل المثقفين العرب، بل تبنته بعض النخب، مما أدى إلى فرض النموذج الحداثي الغربي كمعيار كوني، متجاهلًا الخصوصيات الثقافية. وقد تجلّى ذلك في موريتانيا، حيث أسفر استيراد النموذج الغربي عن فجوة بين سياسات التنمية والهوية الثقافية، وخلق عزلة بين الدولة والمجتمعات المحلية.
وعليه، يمكن القول إن التنمية في موريتانيا بعد الاستقلال لم تكن محايدة، بمعنى أنها لم تكن نابعة من السياق الثقافي والاجتماعي، بل مثّلت توجهًا ثقافيًا غربيًا فرض نفسه على مجتمع ذي هوية مختلفة، مما أفضى إلى أزمة هوية وطنية. كما أن إهمال القطاعات التقليدية زاد من حدة هذه الأزمة، حيث تدهورت الزراعة والرعي وغيرها من الأنشطة الاقتصادية المحلية التي كانت تشكل قاعدة الاقتصاد الموريتاني التقليدي، ما أدى إلى تعميق الفجوة بين المجتمع والدولة.
وبعد استعراض التحديات التي واجهتها ولازالت تواجهها مشاريع التنمية في موريتانيا نتيجة لتجاهل خصوصيات الهوية الثقافية المحلية، يمكننا أن نأخذ التجربة الهندية كنموذج إيجابي يبرز كيفية تحقيق التنمية المستدامة من خلال الجمع بين الهياكل التقليدية والتحديث.
وتُعد تجربة الهند في تطبيق نظام الحكم المحلي عبر مجالس “البانشايات” (مجالس القرى)(8) مثالًا على التحول من الإدارة المركزية إلى اللامركزية، مما يسمح للمجتمعات المحلية بالمشاركة الفعالة في صنع القرار. يعتمد هذا النظام على المجالس المحلية التي تمثل القرى أو المناطق، ويُنتخب أعضاؤها من قبل السكان المحليين(9)، مما يعزز من الشفافية والمساءلة ويشجع على التفاعل بين الدولة والمجتمع.
تاريخيًا، كانت البانشايات في الهند تُستخدم كآلية تقليدية لحل النزاعات المحلية، لكن مع تطور الهند بعد الاستقلال، تم إدخال تعديلات دستورية لتطوير النظام وجعل المجالس المحلية أكثر تأثيرًا في السياسة العامة. وتم تطبيق التعديل الدستوري الثالث والسبعين في عام 1992 ليحول هذا النظام إلى مؤسسة رسمية ذات صلاحيات قانونية، تشمل إدارة شؤون التنمية المحلية(10).
تجربة الهند في هذا المجال تظهر كيف يمكن تحقيق التنمية المتوازنة من خلال تمكين المجتمعات المحلية وتوجيه الموارد نحو مشاريع تنموية تُحسن البنية التحتية والخدمات الاجتماعية في المناطق الريفية. وعلى الرغم من التحديات التي واجهها النظام مثل تفاوت الفعالية بين الولايات ونقص الموارد، إلا أن التجربة الهندية تبرز أهمية الاستفادة من الهياكل التقليدية في عملية التحديث والتطوير، مما يعزز الهوية الثقافية ويشجع على تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.
ولعل تجربة الهند في الجمع بين الهياكل التقليدية والتحديث تقدم درسًا قيمًا يمكن الاستفادة منه، حيث أظهرت كيفية تمكين المجتمعات المحلية من خلال مؤسسات لا مركزية تساهم في التنمية المستدامة. وبالتالي، فإن التحدي الأساسي أمام موريتانيا يكمن في التوفيق بين الحديث والتقليدي، وتطوير سياسات تنموية تراعي الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمع، بما يعزز التفاعل بين الدولة والمجتمع ويحقق تنمية شاملة.
________ __
1-المنصوري، المبروك. مكانة الدين في النهضة اليابانية والعربية، الطبعة الأولى، ص 7.
2- المرابطي، بدي. تأملات في العقل السياسي الكومبرادوري موريتانيا إلى أين ؟، الطبعة الثالثة، ص 30.
3- دب شاسه، فرانسيس. موريتانيا من 1900 إلى 1975، ترجمة محمد ولد بوعليبة ولد لغراب، ص 15.
4- دي شاسيه، فرانسيس المرجع نفسه، ص 45.
5- المرابطي، بدي. المرجع السابق. ص 30.
6- أمين، جلال. خرافة التقدم والتخلف، الطبعة الأولى، ص 29.
7- المنصوري، المبروكي. المرجع السابق، ص 6.
8- Chattopadhyay, Raghabendra, and Esther Duflo. “The Impact of Reservation in the Panchayati Raj: Evidence from a Nationwide Randomized Experiment.” Innovations for Poverty Action, 2003,. Available at: https://poverty-action.org. p. 3.
9- المرجع نفسه.
10- Rao, M. Govinda, and T.R. Raghunandan. Panchayats and Economic Development. Working Paper No. 2011-86. National Institute of Public Finance and Policy, New Delhi, 2011. Available at: http://www.nipfp.org.in, p. 16.
– إبراهيم /أحمد /الشيخ سيديا، باحث في علم الاجتماع