
قبس – محمد عبد الله – نواكشوط
تتجدد التساؤلات حول طبيعة العلاقات الموريتانية-الإيرانية في ظل المستجدات الأخيرة، حيث تسعى طهران لتعزيز نفوذها في دول الساحل وإفريقيا عبر بوابة نواكشوط، بينما تواجه الأخيرة ضغوطًا إقليمية ودولية قد تدفعها لإعادة النظر في تقاربها مع الجمهورية الإسلامية.
وبمناسبة إحياء الذكرى ال 46 لانتصار الثورة الإسلامية والإطاحة بنظام الشاه في 1979, عملت “قبس الاخباري” على هذه المادة التي تستعرض أبعاد العلاقات الثنائية، خاصة التحركات الإيرانية في موريتانيا، والمخاوف الإقليمية والدولية من النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة.

إلغاء التأشيرة
أعلن السفير الإيراني المعتمد لدى موريتانيا، جواد أبو علي، خلال مؤتمر صحفي بمناسبة الذكرى الـ 46 لانتصار الثورة الإيرانية، عن إلغاء تأشيرة الدخول للموريتانيين إلى إيران، وهو ما اعتبره مراقبون خطوة لتعزيز العلاقات الشعبية، وتسهيل انخراط الموريتانيين في الأنشطة الإيرانية، سواء الاقتصادية أو الدينية أو الثقافية.
كما أشار السفير إلى أن البضائع الإيرانية بدأت تدخل السوق الموريتانية، مما قد يمهد الطريق لتوسيع المبادلات التجارية مستقبلاً.
وتطرق إلى مشاركة موريتانيا في الاجتماع الوزاري لمنتدى الدول المصدرة للغاز الذي عقد في طهران، كاشفًا عن محادثات جرت مع مسؤولين موريتانيين لنقل الخبرة الإيرانية في مجال الطاقة.
حذر وانفتاح

تصف الأوساط الدبلوماسية الموريتانية العلاقة مع إيران ب”العريقة والمتينة”، كما جاء في تصريح منسوب للرئيس محمد ولد الغزواني خلال استقباله لوزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان في نواكشوط.
ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية(رسمية) أن ولد الغزواني أشاد بـ” الدور الإيراني في مكافحة الإرهاب”، و” الإنجازات الصناعية والعلمية والتقنية التي حققتها إيران”.
لكن هذا الانفتاح الرسمي لا يخلو من حسابات دقيقة، إذ تدرك موريتانيا أن علاقاتها الوثيقة مع دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، تضعها أمام معادلة صعبة في التعامل مع إيران، التي تعدها هذه الدول تهديدًا لمصالحها الإقليمية.

النفوذ الإيراني والأبعاد الأيديولوجية
يرى الدكتور أحمد ولد انداري، أستاذ العلوم السياسية بجامعة نواكشوط، أن “التحركات الإيرانية في موريتانيا ليست جديدة، فهي امتداد لسياستها التوسعية في إفريقيا، التي ترتكز على دعامتين رئيسيتين: التوسع الاقتصادي، والتأثير الأيديولوجي عبر نشر التّشيع”.
ويضيف أن “إيران ترى في موريتانيا بوابة وجسرًا استراتيجيًا للولوج إلى غرب إفريقيا، مستفيدة من هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي، حيث يمكن أن تستخدم العمل الخيري والأنشطة الثقافية كأدوات لاختراق المجتمع الموريتاني”.

مخاوف “التّشيع”
في السنوات الأخيرة، أثارت أنشطة بعض المراكز الثقافية الإيرانية في موريتانيا جدلًا واسعًا، وسط اتهامات لها بالعمل على نشر التشيع الإمامي الاثني عشري في بلد يغلب عليه المذهب المالكي السني. وقد دفعت هذه التحذيرات الحكومة الموريتانية إلى إغلاق “المركز الثقافي الإيراني” عام 2018، في خطوة فُهمت على أنها استجابة لضغوط خليجية.
وفي هذا السياق، يُحذّر رئيس المنتدى السياسي للبعث، محمد الكوري ولد العربي، من أن “إيران لم تَتَخلّ عن مشروعها الأيديولوجي، بل غيّرت أساليبها”، معتبرًا أن “الوجود الإيراني في موريتانيا قد يكون بوابة لاختراقات أمنية واجتماعية ذات تداعيات خطيرة”.

استنفار إقليمي من النفوذ في الساحل
على المستوى الإقليمي، فإن تعزيز الحضور الإيراني في موريتانيا يثير قلقًا في الدول المجاورة، لا سيما في السنغال والمغرب، اللتين سبق أن اتهمتا طهران بدعم جماعات شيعية لنشر نفوذها.
كما أن دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، تتابع بقلق أي تقارب موريتاني-إيراني، خوفًا من أن يؤدي إلى تمكين النفوذ الإيراني في منطقة الساحل، التي تعاني بالفعل من هشاشة أمنية وتغلغل الجماعات المسلحة.

إيران والمقاربة البراغماتية في إفريقيا
يرى محللون أن التوجه الإيراني نحو إفريقيا في الوقت الراهن يأتي في سياق بحثها عن حلفاء جدد، بعد الضغوط التي تعرض لها ما يعرف بـ” محور المقاومة” في الشرق الأوسط. ويشير هؤلاء إلى أن طهران، التي لم تكن تولي اهتمامًا كبيرًا للقارة الإفريقية خلال العقود الماضية، أصبحت اليوم ترى فيها مجالًا حيويًا لتعويض خسائرها الاستراتيجية في سوريا ولبنان والعراق.
ويؤكد رئيس حزب الرفاه، محمد ولد فال، أن “الدُّول تبحث دائمًا عن تحالفات اقتصادية واستراتيجية، وإيران ليست استثناءً”، لكنه يرى أن “المصالح وحدها تحكم هذه العلاقات، وليس العوامل الأيديولوجية”.
العلاقات الموريتانية-الإيرانية أي اتجاه؟
في ظل هذه التطورات، يبقى السؤال: هل تمضي موريتانيا في تعزيز علاقاتها مع إيران، أم تتجه إلى تقييد النفوذ الإيراني استجابةً للضغوط الإقليمية والدولية؟
من الواضح أن نواكشوط تسير على خيط رفيع، فهي تحاول الاستفادة من العروض الاقتصادية الإيرانية دون إثارة غضب حلفائها الخليجيين.
لكن مع ازدياد التنافس الإقليمي في منطقة الساحل، قد تجد الحكومة الموريتانية نفسها أمام خيارات أكثر حسمًا، خاصة إذا تصاعدت الضغوط من الدول العربية والغربية لكبح النفوذ الإيراني في المنطقة.